من بيت العنكبوت إلى شجرة الصنوبر

عائشة التركي

دراسة نقدية للشخصية الروائية من خلال رواية «حساء نرجسي ولعبة الدوبامين» للشاذلي القرواشي

رواية أثْرت المشهد الأدبي التونسي بصدورها سنة 2025 وتقع في 285 صفحة موزعة على ثلاثة عشر محورا وقد خُتمت بتحية شكر من الكاتب إلى ثلة من أطباء النفس وعلمائها من تونس ومن العالم العربي وهي الرواية الثانية للكاتب والشاعر التونسي الشاذلي القرواشي وقد جاء على غلافها “رواية علمية (علم النفس)” وبذلك يكون الكاتب قد حدّد بنفسه مجالها وحتى وإن لم يفعل فإن العنوان وشى بذلك وأوحى بأن الرواية ستلج النفس البشرية وتعرض أحد أهم أمراضها وتشوهاتها.

ما قيمة الشخصيات في الرواية النفسية؟

إنها مركز الثقل في هذا النوع من الروايات وتُعَدّ دراستها المدخلَ الأساس لفهمها، ولأن هذا الضرب من الحكي لا يعرض الوقائع والأحداث، بقدر ما يجعل من العالَم الداخلي للإنسان جوهرَ العمل الأدبي ومداره الحقيقي، فيكون هم ّ كاتب الرواية النفسية عموما التسلل إلى عالَمها الداخلي المركب وجعله فضاء متاحا للتحليل والتأويل … وليسيجها ويسبر أغوارها ويرسم عوالمها الباطنية ومجال علاقاتها…وقد عمد الشاذلي القرواشي إلى دمج علوم كثير تيسّر له تعرية هذه الذات المريضة وعرضها على القارئ. ونحن بدورنا لن نتوخى منهجا نقديا بعينه لدراستها ولا نسقطه عليها بل سنزاوج بين مدارس نقدية ونظريات مختلفة والأهم هو استقراء الرواية في حد ذاتها وقد ذهب النقاد إلى “وما من بحث رصين يستطيع أن يقدم رؤية موضوعية إلا إذا انطلق من النص ومن حركته الداخلية العميقة وحاول اكتشاف ما يمكنه أن يحمله من دلالات…”. والغاية هي إدراك السبل التي توخاها الروائي ليصور لنا هذا النوع من الشخصيات والفنيات التي توسلها لفضّ مغاليقها ولمّ شتات تشظيها وفضح أسرارها المكتومة في طيات ماضيها…؟

خلافا للشخصيات في الرواية عموما فإن الشخصيات في رواية “الحساء النرجسي ولعبة الدوبامين” لم تظهر في شكل أفراد يضطلع كل واحد فيهم بدور مختلف عن غيره بل تشكلت في زُمر ثلاث كل واحدة فيها تنطوي على مجموعة من الشخصيات فتكون كالآتي شخصيات نرجسية متسلطة وشخصيات ضحية لها وأخرى تقف على مسافة منهما ويمكن أن نطلق عليها شخصيات سوية.

1-الشخصيات النرجسية ولعبة التناظر أو المرآة المحدّبة

هي شخصيات بدت في الرواية متشابهة بشكل لافت وخاصة زمرة النرجسيين فقد جعلها الكاتب تبدو كشخصية واحدة رغم اختلاف جنسها وأعمارها وانتمائها الجغرافي ووضعها الاجتماعي… ولئن وزّع هذا التشابه بينها بالعدل إلا أن حضورها الكمي وحيّزها الفاعل في الأحداث قد تفاوت تفاوتا مُهما ففي حين كانت مجدولين هي الشخصية الرئيسة شخصية محركة للأحداث دافعة لها فإن صديقتها و “أستاذتها آمال “(الرواية)كان لها حضور محتشم نسبيا فهي مساعدة على فهم مجدولين نفسية وسلوكا مثلها مثل الشخصية الرجالية “صالح ” الذي لا دور له في الأحداث إلا أنه مهم في تسليط الضوء على التيمة الأساسية في رواية نفسية كهذه. وقد عبّر عن ذلك عبد الرحمن منيف بقوله “أنّ أهمّيّة الشّخصيّة في السّرد لا تقاس أو تحدّد بالمساحة التي تحتلّها، وإنّما بالدّور الذي تقوم به، مع ما يرمز إليه هذا الدّور“.

وبهذا الشكل يكون الكاتب تخيّر الشخصيات لا في علاقة بالأحداث كما هو متداول عادة بل بما تمثله من تعبير عن مرض النرجسية وقد أثرى مسألة توزيع الشخصيات إلى رئيسية والثانوية بشخصيات هي انعكاس مرايا لمجدولين وجعلها جميعها شخصية واحدة مختلفة في الظاهر متحدة في كونها ترسم الانحراف النفسي النرجسي.

ومن السمات الجامعة لزمرة النرجسيين في الرواية أنها كلها تملك سلطة ما تخوّل لها السيطرة على ضحاياها وتساعدها على التحكم فيها. كانت مجدولين “فتاة جميلة وأنيقة ومثقفة “(الرواية)وتكرر هذا الوصف في الرواية على ألسنة كثيرة .جاء على لسان أم فوزي حبيب مجدولين وورد في تعاليق الشباب على صورها المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي. اما الراوي فقد صاغ لها في ذهن فوزي العاشق صورة بها “أصبحت شبه آلهة في نظره”(الرواية). فالجمال هو سلطة المرأة النرجسية وسلاحها الذي تجلد به ضحاياها وتغويهم به حتى يقعوا في فخاخها وقد بين الحوار الدائر بين مجدولين وآمال صديقتها نجاعة هذا السلاح في حسم أمر ضحايا المرأة النرجسية “لقد ذكرتني بنفسي عندما كنت في مثل سنك …كنت أغويهم بسرعة ” (الرواية).وآمال النرجسية هي التوأم مجدولين النفسي ونظيرتها .لهما الأسلوب نفسه في الغواية التي تعزز شعورهما بالقوة والسيطرة على الرجل ” غذى في داخلي الشعور بسلطة الأنوثة وقدرتي على الفتنة والتحكم في مصائر الرجال حتى وان ظهروا برتبة تقاة “(الرواية) وعند الشعور بأن العاشق سقط في الفخ ودخل “بيت العنكبوت اللزج”(الرواية) وصار يدور في فلكها فعندها تتخلى عنه “اضطرب عقله وانتهى به المطاف مجنونا وكنت سعيدة بما آل إليه هذا المسكين”(الرواية). وقد عبّرت على هذه السمة التي تتصف بها الشخصية النرجسية وهي أنها لا قدرة لها على الحب وتبادل العواطف “فمثل هذه العلاقات تحدّ من حريتي وتجعلني أسيرة لدى رجل واحد وأنا أكبر من أن يحتويني شخص أو حتى قبيلة من الرجال “(الرواية) .وقد عرّى حوار مجدولين الباطني خبايا نفسيتها وألاعيبها والغايات التي ترمي إليها “أريدك يا حبيبي ضعيفا منهارا وأنت تشاهد الذكور تقفز فوقي …سأصفعك …وأجلدك بسوط المذلة “(الرواية).وقد توخي السارد تقنية “المروي له ” فوزي “العاشق” ليأذن للقارئ بأن يعلم ملمحا صريحا من ملامح النرجسية وهو الالتذاذ بآلام ضحيتها “اه يا فوزي ….هي مسألة وقت فقط وأتبول على جثتك أيها العاشق الطيب..” (الرواية) ويمضي منطوقها كاشفا عن الوحش بداخلها مصورا رغبة الافتراس التي تحركها وما أصابها من خيبة عندما نجا فوزي من محاولة الانتحار “وكم كانت خيبتي مريرة عندما علمت بأنك قد نجوت “(الرواية)

قد يعجبك ايضا