الاعتمادية التبادلية بين الدول الحقوق المدنية وحقوق الإنسان

 

روبرت سبرينجبورج

تعد حقوق الإنسان عالمية الطابع، فهي غير قائمة على المواطنة أو الدول، بعكس الحقوق المدنية، المرتبطة بالمواطنة، والتي يتعين على الدول حمايتها، رغم أن هذه الدول نفسها هي من تنتهكها. وفي ضوء غياب نظام عالمي فعال لتعريف وحماية حقوق الإنسان، تنتقل مسئولية تلك المهام بطبيعة الحال إلى الدول بشكل أساسي. كذا فإن الدول التي يتمتع مواطنوها بحقوق مدنية قوية عادة ما تدمج حقوق الإنسان ضمن تشريعاتها وقوانينها الوطنية، كما أنها تمارس دورًا فعالًا في تعزيز حقوق الإنسان والدفاع عنها على المستوى العالمي. بناء على ذلك، تمثل الدول المتغير المستقل في تلك العلاقة ثلاثية الأطراف، بما يجعل الحقوق المدنية –بل وحقوق الإنسان العالمية– مرتبطة بسلوك الدولة والعوامل المؤثرة عليه، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار عند تقييم التوقعات المتعلقة بالحقوق المدنية وحقوق الإنسان .

مقارنةً بالدول الضعيفة التي لا تستسيغ الخضوع للمساءلة؛ تميل الدول القوية الواثقة التي تتقبل المساءلة لحماية وتوسيع نطاق الحقوق المدنية، ومن ثم حقوق الإنسان بشكل غير مباشر. منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تضم معظم دول المجموعة الأولى، والتي وصفها نزيه أيوبي قبل نصف قرن بأنها «هشة برغم شراستها».

على مدار عقد على الأقل، شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تراجعًا للمؤشرات العالمية لمدى قدرة الدول واستقلاليتها وتقبلها للمساءلة لمعدلات أقل من المتوسط، عوضًا عن زيادة وربما رفع أداء دول المنطقة أيضًا .

أنواع مختلفة من الحقوق

تأثير هذا التدهور العالمي ينعكس على الأنواع الأربعة للحقوق المرتبطة بالدولة في المقام الأول، كما ينعكس في الحقوق ذاتها. اثنان من هذه الحقوق مرتبط بالأفراد، فيما  يرتبط الأخران بالجماعات؛ فالحقوق الفردية تتعلق بالحق في المشاركة الفعالة في الديمقراطية السياسية. إلى جانب الحقوق الاقتصادية التي، رغم تعدد تعريفاتها، تشير تقليديًا للحق في الغذاء الكافي، والسكن، والتعليم، والصحة، والعمل، والضمان الاجتماعي. على الجانب الأخر، فإن الحقوق المتعلقة بالجماعات من بينها ما هو مرتبط بالمستوى الوطني، أي حقوق الأمم في ممارسة سيادتها، ومنها ما يتعلق بهوية المجموعات المختلفة وحقوق المنتمين لها في التعبير الثقافي والمعاملة المتساوية أمام القانون .

تتباين الأهمية النسبية لتلك الحقوق من دولة لأخرى، وحتى داخل الدولة نفسها، وفقًا للمراحل الزمنية المختلفة. لكن الأنماط الفردية تعكس التاريخ السياسي الوطني، والذي تكتسب فيه عملية بناء الأمة أهمية خاصة. في أوروبا على سبيل المثال، وبينما يُؤكد الفرنسيون على أهمية الحقوق الوطنية مقارنةً بالحقوق الإقليمية، الأمر الذي يعكس التاريخ الطويل لفرنسا الموَحدة –بما في ذلك التوحد اللغوي– وهو ما يعود لتوطيد السلطة الملكِية بنهاية القرن السابع عشر؛ فإن الإيطاليين في المقابل يُعلون من البعد الإقليمي حتى يكاد يصل للمكانة ذاتها التي يحتلها الولاء والهوية الوطنيين، وهو ما يعكس تاريخيًا الاستقلال الذاتي لدول المدن الخمس الأساسية والمقاطعات الموالية حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وتنعكس استمرارية الإقليمية الإيطالية في تباين اللغة المنطوقة بشكل أكثر وضوحًا من الحالة الفرنسية. بينما يتجاوز الوضع في بلجيكا المناطق الثلاث الأساسية، إذ تنقسم بروكسل لتسعة عشر بلدية. على الجانب الأخر.

هناك بُعد آخر تنتظم حوله الأهمية النسبية للحقوق المختلفة؛ وهو الحقوق المدنية الفردية في مقابل الحقوق المدنية الجماعية. فصعود الليبرالية السياسية في إنجلترا ومستعمرتها الأمريكية في القرن الثامن عشر، ارتبط بشكل وثيق بمدى تنامي سلطة البرجوازية في مواجهة الأرستقراطية في إنجلترا، والسلطة الاستعمارية في أمريكا؛ ما نجم عنه الانحياز للحقوق الفردية أكثر من الحقوق الجماعية في اقتصاداتهما السياسية، بما في ذلك الدستور ووثيقة الحقوق في الولايات المتحدة المستقلة حديثًا. علاوةً على ذلك، فإن تلك الحقوق الفردية غلب عليها الطابع السياسي عن الاقتصادي. على سبيل المثال ورغم ضمان حرية التعبير؛ إلا أن تناول الحقوق الاقتصادية اكتفى بالنص على «الحياة، والحرية، والسعي للسعادة». وحتى نداء حرب المستعمرات الأمريكية، «لا ضرائب بدون تمثيل»، يخضع ضمنيًا الاقتصادي للسياسي. هذه الرؤية المفاهيمية للحقوق باعتبارها حقوق فردية سياسية الطابع بالأساس، وليست اقتصادية، عززت بزوغ الرأسمالية الأمريكية؛ إذ عوملت الشركات قانونًا كالمواطنين الأفراد رغم وضوح طبيعتها الجماعية .

وانطلاقًا من كون صعود غالبية الدول في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط عملية ديالكتيكية بين القوميين والحكام المستعمرين، سواء كانوا عثمانيين أو أوروبيين؛ فقد احتلت الحقوق المتعلقة بالسيادة دورًا مركزيًا فيما يتعلق بمبررات وجود تلك الدول ومطالبها، وأيضًا في المعتقدات السياسية لشعوب المنطقة. فخلال حروب التحرير، مارست تلك القوميات –المصطنعة أحيانًا– دورًا في دفع الاهتمام بالحقوق الفردية لمنزلة أدنى، مقارنةً بتلك المتعلقة بتأسيس الأمة والحفاظ عليها .

في سياق متصل، تسبب إرث الدول في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط –المتمثل في ربط الحقوق بالمجتمعات والأمة بديلًا عن الأفراد وكونها اقتصادية أكثر منها سياسية– في خلق إشكالية أشبه بتربيع الدائرة أمام عملية الدسترة وممارسة المواطنة، مما جعل من محاولة الجمع بين تقاليد المنطقة من ناحية، وبين مفهوم الدسترة في الغرب –خاصة الأنجلو أمريكي– من ناحية أخرى تحديًا صعبًا. على سبيل المثال، القانون السعودي الأساسي يقر بأن الأسرة، وليس الفرد، هي الوحدة الأساسية للمجتمع السياسي. والعديد من الدساتير العربية تتضمن تحديدًا للحقوق الاقتصادية، مثل تلك الموجودة في الدستور المصري الحالي، حول تخصيص نسب محددة من الإنفاق العام للصحة والتعليم. كما أن مفهوم المواطنة في المناهج التعليمية في الدول العربية لا يرتبط بالحقوق السياسية الفردية، وإنما بالعلاقة بين الحاكم والمحكومين، فإنجازات الأول تمنحه الحق في ولاء الأخيرين، أو بشكل أكثر تحديدًا كعقد اجتماعي يوفر فيه الحاكم الفوائد المادية في مقابل الخضوع السياسي.

ومن ثم فإن الشرعية السياسية للحكومات المعاصرة في المنطقة، والقبول الشعبي بها، لا تستند بالأساس إلى انتخابات حرة ونزيهة، ولكن إلى تلبية الاحتياجات وتوفير الخدمات؛ وهي بذلك تتسق مع التفسير التاريخي للحقوق في المنطقة، وممارسات الدولة ذات الصلة بذلك .

قد يعجبك ايضا