الإنسان كحل جذري لمعضلة الفقر

سلمان شوكه

الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل هو انتهاك ممنهجللكرامة الإنسانية، يسلب الإنسان حقه في الغذاء والتعليم والصحة، ويحرمه من النظر إلى نفسه كإنسان متساوٍ مع الآخرين. والمفارقة أن كثيراً من المجتمعات تعالج الفقر وكأنه عيب جلدي نزيله بمرهم مؤقت، أو صدقات عابرة، بينما الحقيقة التي أثبتتها التجارب الناجحة هي أن الفقر لا يُهزم إلا حين نرفعه إلى مصاف قضايا حقوق الإنسان، ونُعيد تعريفه كحق مسلوب يجب استرداده، لا كحاجة نُحسن بها على الفقراء .

النظرة التقليدية تنظر إلى الفقر كخلل اقتصادي يحتاج إلى زيادة في الإنتاج، أما النظرة الحقوقية فتراه كخلل في توزيع السلطة والفرص، فالفقير يفتقر إلى المعرفة القانونية للمطالبة بحقه، ويفتقر إلى الصوت المسموع، ويظل أسير حلقة مفرغة، حيث الأب الفقير لا يستطيع تعليم أبنائه، فيكبر الأبناء ليكونوا عمالة رخيصة، وتستمر المأساة جيلاً بعد جيل، وهنا يأتي دور حقوق الإنسان كمنقذ حقيقي، بمنح الفقير حقاً قانونياً ملزماً في التعليم والصحة، وليس مجرد أمل في هبة تصل إليه إن تهيأت الظروف .

ومن أخطر ما يواجه الفقراء غياب شبكات الأمان الاجتماعي المؤسسية، فالأسرة التي تفقد عائلها أو تصاب بمرض مفاجئ تجد نفسها على حافة الهاوية دون تأمين صحي أو ضمان اجتماعي، وهنا يبرز الحق في الضمان الاجتماعي، الذي لا يعني توزيع المال دون حساب، بل بناء مؤسسات قوية تحول جزءاً من الثروة الوطنية إلى حماية الفئات الأضعف، وتمنحهم حداً أدنى من الكرامة، وقد أثبتت التجارب أن كل دينار ينفق على هذه الشبكات يعود بخمسة أضعافه في صورة تقليل للأمراض والبطالة والجريمة، فليس هناك استثمار أرخص ولا أنجح من استثمار كرامة الإنسان .

ويبقى السؤال الأهم: كيف يكون الفقير فاعلاً في معالجة فقره؟ الجواب يكمن في ضمان حقه في المشاركة السياسية وتكوين الجمعيات، والوصول إلى المعلومات، فعندها يتحول من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل يراقب الأداء الحكومي ويقترح الحلول التي تناسب واقعه، وهذا النوع من المشاركة يضمن أن تذهب أموال التنمية إلى المكان الصحيح، ولا تُسرق في مشاريع شكلية، وقد نجحت المجتمعات التي قلصت الفجوة بين الأغنياء والفقراء بخلق مساحات للحوار المجتمعي، حيث يصبح الفقير طرفاً في المعادلة، لا موضوعاً لها .

 

وفي مواجهة هذه الرؤية، ما زال هناك من يروج لفكرة أن الأولوية للخبز قبل الحرية، وأن الحديث عن الحقوق في مجتمع فقير هو رفاهية فكرية، لكن هذا الطرح ينقلب على صاحبه، فالخبز الذي لا يأتي معه كرامة هو خبز المهانة، والحق في الاعتراض على غلاء الأسعار ومحاسبة الفاسدين هو الذي يمنع نهب أموال الضرائب، وكيف تتحسن أوضاع أسرة فقيرة وهي تدفع ضرائبها لتذهب إلى جيوب الفاسدين بينما تتدهور خدمات الصرف الصحي في حيها؟ إن تأجيل الحقوق باسم مكافحة الفقر أشبه بمن يمنع مريض الحمى من شرب الماء خشية أن يضعف، مع أن الماء هو شفاؤه الوحيد .

ان معالجة الفقر من منظور حقوق الإنسان ليست عملية إغاثة عابرة، بل مشروع نهضوي شامل يعيد توزيع القوة والمعرفة والثروة، ويجعل من كل فرد عنصراً فاعلاً في البناء، وحين يصبح الخبز حقاً لا منّة، والسكن حقاً لا إحساناً، والتعليم حقاً لا امتيازاً، نستطيع أن نقول إننا لم نحارب الفقر بالأموال فقط، بل حاربناه بالكرامة، وهزمناه بالعدالة، وإننا لم ننتظر حتى نغتني لنحترم حقوق الإنسان، بل احترمنا حقوق الإنسان فاغتنينا جميعا .

قد يعجبك ايضا