الدكتور كريم شمخي جبر
في زحام المفاهيم التنموية، وتحت وطأة المؤشرات الاقتصادية الجافة، يغفل الكثيرون عن حقيقة جوهرية مفادها أن التنمية البشرية الحقيقية ليست مجرد ارتفاع في متوسط الدخل، ولا زيادة في عدد الكليات، ولا ازدياد في عدد المستشفيات، بل هي ذلك التحول النوعي الذي يحدث داخل الإنسان نفسه، عندما ينتقل من حالة العجز والتبعية إلى حالة القدرة والاختيار، وعندما يتحول من كائن يتلقى الخدمات إلى فاعل يصنع مستقبله، وهنا بالضبط تلتقي حقوق الإنسان بالتنمية البشرية في أعلى درجات التكامل، وتصبح الحقوق ليست غاية أخلاقية نطمح إليها، بل هي الوسيلة العملية الوحيدة لتحرير الطاقات الكامنة في كل فرد، وإطلاق العنان لإمكاناته التي تظل حبيسة الجهل أو المرض أو التهميش أو الخوف، وكأن حقوق الإنسان هي المفتاح السحري الذي يفتح أبواب القدرات البشرية المغلقة، فيندفع الناس نحو الإبداع والإنتاج والمشاركة، وتزدهر المجتمعات ازدهاراً لا تحدده الثروات الطبيعية، بل تحدده ثروات العقول والقلوب .
ولعل أبرز ما يميز العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية البشرية، أن الأولى تمنح الإنسان “الفضاء” الذي يحتاجه لينمو، فالحق في التعليم مثلاً ليس مجرد مقعد دراسي، بل هو فضاء يتسع لخيال الطفل وأحلامه، يمكنه من اكتشاف العالم وتكوين رؤيته الخاصة، والحق في الصحة ليس مجرد دواء نقدمه، بل هو طاقة تمنح الإنسان القدرة على السعي والعمل والأمل، والحق في حرية التعبير ليس مجرد كلمة تقال، بل هو مساحة يمارس فيها الإنسان وجوده، ويشعر بأنه ذو قيمة في وطنه، وهكذا نجد أن الحقوق تبني الإنسان من الداخل، وتزرع فيه الثقة بالنفس والانتماء، وهما الركيزتان الأساسيتان لأي تنمية بشرية مستدامة، فالإنسان الواثق من حقوقه، المتيقن من أن القانون يحميه، يستثمر وقته وجهد في البناء، أما الخائف المهمش فكل طاقته تذهب في البقاء والدفاع عن وجوده، ولا يتبقى له شيء ليبني به مستقبله ومستقبل بلاده .
إن العلاقة بين الحقوق والتنمية البشرية ليست علاقة خطية بسيطة، بل هي علاقة عضوية تكاملية، فكلما تقدمت التنمية البشرية، زاد وعي الناس بحقوقهم، وكلما ارتفع وعي الناس بحقوقهم، ازدادت قدرتهم على دفع عجلة التنمية، وكأنهما جناحان لا يطير أحدهما دون الآخر، وهذا ما يفسر لماذا تتفوق المجتمعات التي تستثمر في الإنسان على تلك التي تستثمر في الآلات فقط، فالآلات تصدأ وتتقادم، أما الإنسان المتعلم الصحيح الواعي بحقوقه فهو رأس مال لا ينضب، يبتكر ويطور ويصلح، ويظل يضيف قيمة متجددة طول عمره، وينقل هذه القيمة لأبنائه من بعده، وهكذا تتسع دائرة التنمية عبر الأجيال، وهذا النوع من التنمية المتصاعدة هو ما يسمى بالتنمية البشرية المستدامة، التي لا تعتمد على مورد ينفد، بل على قدرة تتنامى .
والجميل في الأمر أن حقوق الإنسان لا تخدم التنمية البشرية على المستوى الفردي فقط، بل تمتد آثارها إلى البناء المجتمعي الأوسع، فالمجتمع الذي يحترم حق المواطن في المشاركة السياسية، وحقه في تكوين الجمعيات والنقابات، هو مجتمع تتدفق فيه الأفكار من كل الاتجاهات، وتتكاثر فيه الحلول الإبداعية للمشكلات المزمنة، فبدلاً من أن تكون الحلول حكراً على خبراء في العاصمة، تصلنا حلول من الفلاحين في القرى، ومن المعلمين في المدارس، ومن العمال في المصانع، كل يرى المشكلة من زاويته ويقترح حلاً من خبرته، وهذه هي ثروة التنوع البشري التي لا تتوفر إلا في بيئة تحترم الحق في الاختلاف، وتشجع على المشاركة، وتؤمن بأن كل إنسان يحمل جزءاً من الحقيقة، وأن الحكمة الجماعية أقوى من حكمة فرد واحد مهما بلغت مكانته، وهذا ما يفسر أيضاً سبب كون المجتمعات المفتوحة، التي تحترم الحريات الأساسية، هي الأكثر قدرة على الابتكار والتكيف مع تغيرات العالم، بينما المجتمعات المنغلقة على نفسها تظل جامدة، تكرر أخطاءها، وتتخلف عن ركب التطور .
إن النظر إلى التنمية البشرية من منظور حقوقي يغير أيضاً طريقة فهمنا لمفهوم “الفقر”، فالفقر في هذا المنظور ليس مجرد نقص في الدخل، بل هو حرمان من مجموعة الحقوق التي تمكن الإنسان من عيش حياة كريمة، فالطفل الذي لا يذهب إلى المدرسة فقير، حتى لو كان يتناول ثلاث وجبات يومياً، لأن جهله يحرمه من مستقبل أفضل، والمريض الذي لا يجد علاجاً فقير، حتى لو كان يملك منزلاً واسعاً، لأن صحته المعطلة تقيد حريته وقدرته على العمل، وهكذا تتسع دائرة الفقر لتشمل كل أشكال الحرمان الحقوقي، وهذا الفهم الموسع يجعل معالجة الفقر أكثر عمقاً، فلا نكتفي بزيادة الرواتب أو توزيع السلع، بل نعمل على بناء نظام تعليمي شامل، ونظام صحي عادل، ونظام قانوني نزيه، ونظام سياسي مفتوح، وهذه كلها أركان التنمية البشرية الحقيقية، التي تجعل الإنسان قادراً على الانطلاق، لا مجرد إنسان يتلقى الإعانات .
في مقابل هذا التكامل العجيب بين الحقوق والتنمية، ما زال هناك من ينظر إلى حقوق الإنسان كقيد يعطل التنمية، أو كأداة للضغط السياسي لا أكثر، لكن الواقع والتاريخ يثبتان عكس ذلك تماماً، فالدول التي تأخرت تنميتها البشرية، غالباً ما تكون هي الدول التي قمعت الحريات واهتمت بالحقوق الفردية، وذهبت تستثمر في الأمن والجيش على حساب التعليم والصحة، وحين نظرت إلى الإنسان نظرتها الآلة، وليس كغاية، وجنت ثمار هذا القمع في صورة تخلف وتبعية وهجرة للعقول، بينما الدول التي جعلت من حقوق الإنسان محور سياستها، لم تقف تنميتها عند حد معين، بل استمرت في التصاعد، لأنها تعرف أن التطور الحقيقي لا يصنعه القادة وحدهم، بل يصنعه ملايين المواطنين حين يشعرون بأن لهم حقوقاً، وبأن لهم وطناً يستحق التضحية .