سراب سعدي
مما لا شك فيه أن التفاوت في الثقافة والفكر والانطباع بين الأفراد يُعدّ سمةً طبيعية في كل مجتمع، ويزداد وضوحاً مع اختلاف الخبرات وتباين الفئات الجيلية. ولأن هذا الموضوع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بهذا التباين، يمكن الوقوف عند فئات عمرية مختلفة لفهم طبيعة هذا الاختلاف؛ إذ يلاحظ أن بعض كبار السن يرفضون، وبشكلٍ قطعي، الانصياع إلى التطور التكنولوجي. وليس ذلك جهلاً أو تكبراً، بل قد يعود إلى عدم تقبّلهم لهذا التحول، نتيجة تشبّعهم بتقاليد وسلوكيات اعتادوا عليها لسنوات طويلة.
إن التطور الكبير في تكنولوجيا المعلومات وتطور أشكال التواصل سببٌ كبير في عزوف الكثير من كبار السن عن التقاليد التي اعتادوا عليها، وشجع على ذلك اتصالهم بالعالم، بينما البعض الآخر رفض الفكرة رفضاً قاطعاً. إن للتطور التكنولوجي الحاصل أثراً كبيراً في نفوسنا صغاراً وكباراً، وعلى الرغم من النشأة في عصر منفتح والتكنولوجيا المستمرة في التقدم، إلا أن الفجوة الجيلية، والتي تتمثل باختلاف الرأي بين جيل وجيل، لعل تلك الفجوة تكاد تكون محسوسة وواضحة بين الشباب وآبائهم أو أجدادهم، وهذا ما يجعل هناك صعوبة في تقبّل هذا التطور في التكنولوجيا عند البعض.
لقد كان دخول الجوال إلى الحياة طفرة نوعية في حياتنا، وعند ظهور الهواتف الذكية أو اللوحية كانت الأكثر إثارة، وربما ينظر البعض إلى تلك الهواتف على أنها أشبه بالتلفاز المتنقل بلا كهرباء! وقد أدى سطوع نجم هذه التكنولوجيا إلى ضمور عادات وتقاليد كانت جميلة لدى بعض الأجيال؛ فكان للسينما والمسرح وغيرها أثر كبير في حياتهم، وإن قلة أو شحّة ممتعات الحياة بالنسبة لهم جعلتهم يمقتون هذا التطور أو غيره.
وخلال لقائي مع مجموعة من المعارضين لهذا التطور، وسؤالي لهم عن سبب معارضتهم تلك، كانت الإجابات متقاربة؛ فمثلاً: منهم من يفتقد سهرة الخميس التي كان لها وقع شديد في تلك الأجيال، خاصة بعد ظهور القنوات التلفزيونية المتخصصة، على الرغم من أن هناك قنوات خاصة بالأفلام مثلاً؛ ولكنهم رفضوا بحجة أن السهرة سابقاً لها نكهتها الخاصة. في حين نجد البعض الآخر قد أغناه ظهور هذا التقدم والتطور في التكنولوجيا، مما أدى إلى تحسن حياتهم من نواحٍ كثيرة، منها الاتصال والانفتاح التكنولوجي الواسع على العالم أجمع، والاطلاع على حضارات وثقافات الشعوب بصورة عامة. لقد أحدثت التكنولوجيا أثراً كبيراً، سواءً بوجهات النظر السلبية أو الرأي الآخر المتمثل بالإيجاب.
إن ظهور التكنولوجيا في حياتنا غيّر مصطلحات كثيرة، وأظهر مصطلحات جديدة، وربما حتى معنى المصطلح أو المفهوم قد تغيّر معها. وعلى سبيل المثال، مصطلح (إبداع التواصل) يمكن أن يُفهم لدى المتقدم في العمر على أنه الإبداع في الكتابة أو إيصال وجهات النظر بشكل جيد، ولكن بالنسبة للفئات العمرية العشرينية أو الأكثر من ذلك، قد يكون معناه التواصل التكنولوجي المتمثل في المواقع المتعددة للاتصال (فيس بوك، إنستغرام، تويتر… إلخ)، وما إلى ذلك من مصطلحات لدى مختلف الفئات العمرية.
في كل زمان ومكان، هناك فجوة بغض النظر عن التقدم الحاصل في مجالات الحياة؛ لذلك يجب تسليط الضوء عليها ومحاولة تذليلها أو التقليل منها، ليصبح العالم أكثر سعادة وأكثر متعة للجميع.