شــــريف علي
في منطقة تتغيّر خرائطها السياسية والأمنية بوتيرة متسارعة، تظلّ هولير واحدة من المدن القليلة التي استطاعت أن تحافظ على حضورها التاريخي ودورها الحيوي. فهذه المدينة، التي تمتد جذورها إلى آلاف السنين، لم تكن يومًا مجرّد نقطة على خارطة الشرق الأوسط، بل تحوّلت إلى مركز حضاري واقتصادي وثقافي، وإلى نموذج للاستقرار في محيط مضطرب.
ورغم هذا الإرث العميق، تواجه هولير اليوم تحديًا من نوع مختلف، تحديًا يتجاوز حدود الأمن التقليدي ليصل إلى صميم موقع الإقليم في المعادلات الإقليمية والدولية. فالهجمات التي طالت المدينة في الآونة الأخيرة وراحت ضحيتها العديد من المدنيين وكوادر من البيشمركة وحتى جنودا فرنسيين المتواجدين ضمن قوات التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب ،ليست أحداثًا منفصلة، بل تأتي ضمن سياق إقليمي أوسع يسعى إلى زعزعة استقرار إقليم كوردستان ومحاولة جرّه إلى صراع لا علاقة له به. هذا السعي، كما يرى كثير من المراقبين، ليس سوى محاولة لإحياء أنماط الضغط القديمة التي فُرضت تاريخيًا على كوردستان، ومحاولة الحدّ من الدور المتنامي الذي بات الإقليم وحكمة وقيادة الرئيس بارزاني يلعبه في المنطقة.
إن استهداف كوردستان بأكثر من450 مسيرة وقذيفة منها ما يزيد عن 350 استهدفت هولير وضواحيها خلال أقل من عشرة ايام الماضية،لا يهدف فقط إلى ضرب مركز سياسي وإداري، بل يستهدف النموذج الذي يمثله الإقليم: نموذج الانفتاح،والعيش المشترك ، والقدرة على بناء علاقات متوازنة، والتموضع كفاعل مستقر في منطقة تعصف بها الأزمات. كما يستهدف المكانة التي اكتسبها الإقليم عبر سنوات من العمل الدبلوماسي، والتي باتت جزءًا من توازنات إقليمية أوسع.
وفي الوقت الذي تحاول فيه بعض القوى الإقليمية إعادة رسم خطوط النفوذ عبر الضغط على كوردستان، يبرز الإقليم كمساحة ترفض الانجرار إلى صراعات ليست طرفًا فيها. فالتجربة الكوردستانية، رغم كل التحديات، أثبتت قدرتها على الحفاظ على تماسكها، وعلى إدارة الأزمات دون التفريط باستقرارها الداخلي.
ومع ذلك، فإن حجم الضغوط الراهنة يتطلب موقفًا موحّدًا وإرادة سياسية صلبة، ليس فقط لصدّ الهجمات، بل لحماية النموذج الذي جعل من كوردستان مساحة مختلفة في جغرافيا الشرق الأوسط. فالمعركة اليوم ليست معركة حدود أو مواقع، بل معركة هوية واستمرارية.
ورغم كل ما يحيط بها، تبقى الحقيقة الأبرز: هولير لا تُقهر. فهذه المدينة التي صمدت أمام الزمن لن تنكسر ما دام أهلها متمسكين بها، وما دام البيشمركة يحرسونها، وما دام الكورد يرون فيها امتدادًا لهويتهم ومستقبلهم. ستظلّ هولير واقفة، مهما اشتدّت العواصف، ولن تسمح بأن يُعاد إنتاج الألم أو الانكسار. ففي قلب كل كوردي شعلة لا تنطفئ، شعلة تكتب اسم هولير على صفحة التاريخ، وتؤكد أن هذه المدينة التي قاومت عبر القرون لن تسمح لأحد أن يعيدها إلى الظلام.
ولهذا… هولير لن تُقهَر ثانية.