عيد نوروز… حين كان الربيع يُولد من بين أيدي الناس.

تزرين يعقوب سولا

في كل عام، ومع أولى بشائر الربيع، كانت شقلاوة ترتدي ثوبًا لا يشبه سواه، كأنها عروس تستعد لاستقبال فرحٍ طال انتظاره. لم يكن نوروز مجرد مناسبة عابرة في الذاكرة، بل كان وعدًا بالحياة، ونافذةً تُفتح على الأمل بعد شتاءٍ طويل.
في تلك الأيام، كان الأطفال والشباب يتعاملون مع الإطارات القديمة كما لو أنها كنوزٌ ثمينة، يخبئونها بشغف، ويعدّونها لليلةٍ يعرفون أنها لن تُنسى. يصعدون بها إلى قمم جبل سفين، بخطىً متعبة لكن مفعمة بالحماس، وهناك، عند العلو، كانوا يشعلون النار فيها، لتتوهج كنجومٍ أرضية تُرى من كل أنحاء شقلاوة. لم تكن مجرد نار، بل إعلانًا بأن الفرح قد بدأ.
وحين تبدأ الإطارات المشتعلة بالتدحرج من أعلى الجبل، كان المشهد أقرب إلى حلمٍ حي خطوطٌ من النار تنساب في الظلام، ( نعم، لم يكن الوعي البيئي حاضرًا كما هو اليوم) لكن ما كان حاضرًا بقوة هو العفوية، والصفاء.
أما العوائل، فكانت تحضّر لنوروز بطريقتها الخاصة. الأمهات ينشغلن بإعداد أطيب الأكلات، والبيوت تفوح منها روائح لا تُنسى، والملابس الكوردية بألوانها الزاهية تُخرج من الخزائن . يخرج الجميع إلى التلال، حيث تتشكل حلقات الدبكات، وتتداخل الأيادي، وتتعالى الضحكات، وكأن الأرض نفسها تشاركهم الرقص.
وفي زمن ابعد تروي والدتي عنه،: حيث لم يكن الاحتفال في شقلاوة مقتصرًا على الفرح العفوي فقط، بل كان أيضًا يحمل بُعدًا ثقافيًا وإنسانيًا عميقًا. مهرجانات موحّدة، يشارك فيها الجميع دون استثناء؛ رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا. تُلقى القصائد التي توقظ الهمم، وتُغنّى الأغاني التي تحكي قصص الأرض والإنسان، وتُرسم لوحةٌ جماعية عنوانها: الانتماء. إلى الآن تتذكر بعض من تلك القصائد الحماسية تلقيها على مسامعنا أحيانا تعود بنا إلى ذاكرة وأصالة متجذرة عبر التاريخ.
وكأن الربيع لا يزهر في الطبيعة فقط، بل في القلوب أيضًا.

قد يعجبك ايضا