نبيل عبد الأمير الربيعي
في الذكرى الثامنة والثلاثين لقصف حلبجة بالأسلحة الكيمياوية عام 1988م، تعود الذاكرة مثقلة بصور لا يبهت وجعها، ولا تخف حدتها مهما تعاقبت السنوات. لم تكن مجزرة حلبجة حدثا عابرا في سياق حرب طويلة، بل جرحا إنسانيا مفتوحا في ضمير العالم، يذكر بأن الحروب حين تفقد أخلاقها تتحول إلى كارثة على الإنسان ذاته، لا على خصومه فقط.
لقد تحولت حلبجة إلى رمز للألم الصامت، مدينة أُبيدت لحظة، لكنها بقيت حيّة في الذاكرة، شاهدة على فداحة ما يمكن أن يبلغه العنف حين يتجرّد من أي رادع أخلاقي. ما يزيد هذا الألم عمقا، أن جراحها لم تغلق تماما، إذ لا تزال آثار تلك الفاجعة حاضرة في النفوس، وفي ذاكرة الأجيال التي ورثت الحكاية وجعا ومسؤولية.
إذا كانت حلبجة تمثل ذروة المأساة، فإنها ليست وحيدة في سجل الألم؛ فمدن وقرى أخرى مثل سميل وصوريا تحمل بدورها ذاكرة الفقد والخذلان، وكأن التاريخ يكرر رسالته القاسية: أن غياب العدالة والإنصاف يفتح الباب لتكرار المآسي بأشكال مختلفة.
غير أن استذكار هذه الفواجع لا ينبغي أن يظل حبيس الحزن وحده، بل يجب أن يتحول إلى وعي حيّ يدفع نحو بناء مستقبل مختلف، يقوم على احترام الإنسان وكرامته، وعلى ترسيخ قيم المواطنة والعدالة بعيدا عن الكراهية والإقصاء. فالأوطان لا تشفى بتجاهل جراحها، بل بالاعتراف بها، والعمل الجاد على تضميدها، ومنع تكرارها.
إن حلبجة، بما تمثله من ألم ورمز، لا تزال تنادي ضمير الإنسانية كي يستفيق، ويضع حدًا لكل أشكال العنف التي تستهدف الإنسان في وجوده وحقه في الحياة. وهي، مع شقيقاتها من المدن المنكوبة، تظل تبحث عن يد صادقة تمسح الألم، وعن إرادة وطنية تعيد بناء المعنى، لتكون الذكرى ليس فقط استرجاعا للمأساة، بل بداية لطريق أكثر إشراقا، نحو وطن يسوده السلام، وتظلل سماءه العدالة والكرامة.
