محمد علي محيي الدين
وُلِد الدكتور علي عبد الرزاق أمان محي الدين في بغداد، في محلة الأعظمية عام 1951، في بيئة بغدادية عريقة عُرفت بالعلم والانفتاح والتنوع الثقافي. هناك تشكّلت ملامح شخصيته الأولى، ونما وعيه المبكر بقيمة المعرفة ودورها في خدمة الإنسان والمجتمع. أكمل دراسته الأولية والثانوية في بغداد، ليغادر بعدها إلى القاهرة، حاملاً طموحًا علميًا كبيرًا، ومشروع حياة يتجاوز حدود المهنة إلى فضاء الرسالة.

التحق بكلية الطب في جامعة القاهرة، حيث تلقّى علوم الطب في واحدة من أهم المدارس الطبية في العالم العربي، وتخرج فيها عام 1979 بتقدير جيد. وقد شكّلت تلك السنوات محطة مفصلية في صقل رؤيته الطبية والإنسانية، إذ جمع بين الدراسة الأكاديمية الصارمة والاحتكاك المباشر بمدارس فكرية وطبية متعددة.
عاد إلى العراق ليؤدي خدمته العسكرية خلال الفترة من 7 تموز 1982 ولغاية 20 كانون الأول 1986، وهي سنوات عصيبة اختبر فيها الطبيب الشاب معنى الالتزام والمسؤولية في ظروف استثنائية. وبعد تسريحه، باشر عمله الوظيفي في 27 حزيران 1986، واضعًا خبرته في خدمة أبناء وطنه.
كانت بدايته المهنية طبيبًا في المركز الصحي في آل بدير بمحافظة القادسية، حيث مارس الطب في أبسط صوره الإنسانية، قريبًا من الناس وهمومهم اليومية. ثم نُقل إلى مستشفى الكرامة التعليمي في بغداد عام 1987 طبيبًا مقيمًا أقدم في اختصاص الأمراض الجلدية، وهو المجال الذي وجد فيه شغفه العلمي ومساحته الإبداعية.
التحق بالدراسات العليا وحصل على الدبلوم العالي في الأمراض الجلدية والزهرية (1988–1989)، ليبدأ بعدها مرحلة جديدة من التخصص الدقيق، والعمل البحثي، والمتابعة السريرية المتقدمة. وقد تنقل بين عدد من المستشفيات المهمة في العراق، منها مستشفى صدام العام في ذي قار، ومستشفى النعمان، ومستشفى النور، وصولًا إلى مستشفى الكرامة، حيث يعمل طبيبًا استشاريًا في صحة بغداد.
تميّزت مسيرته الطبية بالجمع بين الممارسة السريرية والبحث العلمي، ولا سيما في مجال علاج الأمراض الجلدية المزمنة، وداء الثعلبة، وتساقط الشعر. وتمكن، من خلال خبرته الطويلة وتجربته البحثية، من المساهمة في تطوير واستخلاص أدوية علاجية أثبتت كفاءتها في معالجة عدد من الحالات المستعصية، وهو ما جعله محل تقدير المؤسسات الصحية داخل العراق وخارجه.
وقد نال خلال سنوات عمله كتب شكر وتقدير متعددة من وزير الصحة العراقي، إضافة إلى تكريمات من جهات عراقية وعربية وأجنبية، تقديرًا لكفاءته العلمية وإخلاصه المهني. كما جرى اختياره ليكون أحد أعلام العراق في الطب الحديث، اعترافًا بإسهاماته البحثية والطبية الرصينة.
نشر الدكتور علي عبد الرزاق العديد من البحوث والدراسات العلمية المتخصصة، وتناولت الصحافة العراقية والعربية منجزه الطبي في مقالات وتقارير متعددة، كما شارك في مؤتمرات علمية محلية وعربية، كان له فيها حضور فاعل، سواء عبر البحث أو النقاش أو تقديم الرؤى العلاجية الحديثة.
وعلى الصعيد الإداري، برز دوره بعد عام 2003، حيث انتُخب مديرًا لمستشفى السيد باقر الحكيم (مستشفى النور العام سابقًا)، ثم عُيّن مديرًا عامًا لدائرة صحة بغداد/الكرخ في آب 2003. وفي تلك المرحلة الحساسة، أسهم في إدارة القطاع الصحي وسط تحديات كبيرة، وقدم دراسة استراتيجية متكاملة عن واقع النظام الصحي العراقي وسبل إصلاحه، اعتُمدت ضمن البرنامج الحكومي أساسًا للنهوض بالواقع الصحي.
وإيمانًا منه بدور العلم في بناء الأجيال، أشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه لطلبة الدراسات العليا في جامعة بغداد، وكان عضوًا فاعلًا في نقابة الأطباء العراقية، وعضو الهيئة الإدارية لجمعية أمراض التدرن، وعضو اتحاد الإذاعيين والتلفزيونيين العراقيين.
ولم تقف اهتماماته عند حدود الطب، بل امتدت إلى الثقافة والفكر والسياسة. فقد كتب مقالات علمية وطبية متخصصة في الصحف العراقية الرسمية، إلى جانب مقالات سياسية وفكرية تناولت الشأن العراقي وقضايا المنطقة. كما شارك في لقاءات تلفزيونية بوصفه محللًا استراتيجيًا، عُرف بقراءاته المتوازنة وحرصه على المصلحة الوطنية.
وتجلّت روحه الثقافية في نشاطه الدائم في المجالس الفكرية، وتأسيسه وإدارته لمركز الغد الزاهر للدراسات الاستراتيجية والإعلام، وعمادته لمجلس والده العلامة الدكتور عبد الرزاق محي الدين، الذي أصبح منبرًا حواريًا للنخب الثقافية والسياسية العراقية، تُناقش فيه قضايا الإصلاح والهوية والدولة والمجتمع، ويستضيف شخصيات عراقية وعربية بارزة.
كان حاضرًا في الحراك الثقافي والسياسي، مدافعًا عن حقوق العراقيين، ومناصرًا ثابتًا لحقوق الشعب الفلسطيني، جامعًا في شخصيته بين الطبيب المثقف، والمواطن المسؤول، والفاعل في الشأن العام.
وفي أرشيفه الشخصي ثروة من المقالات والحوارات الصحفية والتلفزيونية التي تناولت الطب، والثقافة، والسياسة، وتُعد شهادة حية على مسيرة طويلة من العطاء المتعدد الأبعاد.
إن الحديث عن الدكتور علي عبد الرزاق أمان محي الدين هو حديث عن نموذج وطني نادر، جمع بين العلم والإنسانية، وبين التخصص الدقيق والهمّ العام، وبين مهنة الطب ورسالة الثقافة. فقد كان طبيبًا يعالج الجسد، ومفكرًا يلامس قضايا المجتمع، ومواطنًا آمن بأن المعرفة مسؤولية، وبأن خدمة الناس شرف لا يعلوه شرف.
وإذ نُقدّم هذه السيرة توثيقًا لمسيرته، فإننا نثمّن عاليًا جهوده الطبية والعلمية والإدارية والثقافية، ونعبّر عن بالغ الشكر والامتنان لما قدّمه ولا يزال يقدّمه لوطنه ومجتمعه، متمنين له دوام الصحة والتوفيق، ومزيدًا من العطاء الذي يثري الطب والفكر والحياة العامة في العراق.