المارِدة والصبايا.. سردية الألم والنجاة

د. نبيل عبد الأمير الربيعي

ينتمي الروائي العراقي المغترب لميس كاظم إلى جيل من الكتّاب الذين جمعت تجربتهم بين العلم والأدب. فقد وُلد في بغداد وأكمل فيها دراسته الابتدائية والثانوية، ثم التحق بكلية الهندسة في جامعة الموصل، غير أنّ معارضته للنظام السياسي آنذاك دفعته إلى مغادرة العراق قبل إتمام دراسته، فتابع تعليمه في موسكو حيث حصل على الماجستير في الهندسة المدنية، ثم نال شهادة الدكتوراه من معهد الطرق والسيارات عام 1991.

رغم انشغاله بالدراسة والعمل في مجال الهندسة، ظل الأدب رفيقاً مبكراً في حياته؛ إذ بدأ كتابة الخواطر الأدبية منذ سنوات شبابه الأولى. مع مرور الوقت اتجه إلى كتابة المقالات الفكرية، فكتب أكثر من مئة وعشرين مقالاً تناولت قضايا حقوق الإنسان والحريات والقانون في العراق، قبل أن يتجه إلى كتابة القصة القصيرة والرواية. صدرت روايته الأولى الجسد المر عام 2006، ثم توالت أعماله مثل عقيق النوارس (2009)، وقناديل مطفأة (2011)، وهمس الغرام (2012)، فضلاً عن كتابه الفكري اندماج العراقيين في المجتمع السويدي بين الأنين والحنين الصادر عام 2016. كما كتب سيناريو فيلم (حلم آخر) المأخوذ عن إحدى رواياته، سيناريو مسلسل تلفزيوني عن رواية (عقيق النوارس)، إضافة إلى مسرحيته (يا الله نعيش). يقيم الكاتب اليوم في السويد حيث يعمل مهندساً معمارياً ويمارس نشاطاً ثقافياً وفنياً متنوعاً.

صدرت رواية “الماردة والصبايا” عام 2022م بواقع (378) من الحجم الوسط عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع في العراق، هي من الأعمال الروائية التي تتناول قضايا اجتماعية معاصرة بلغة سردية إنسانية. في هذا العمل يقدم الكاتب ما يشبه درساً تربوياً واجتماعياً من خلال حكاية مجموعة من الفتيات الشابات اللواتي سقطن في دوامة الإدمان أو العنف أو التفكك الأسري، ليجدن أنفسهن في مركز تأهيلي في مقاطعة هلاند السويدية.

تبدأ الرواية داخل المركز العلاجي المعروف باسم (السيس)، حيث يلتقي القارئ بتسع فتيات من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة. لكل واحدة منهن قصة شخصية مثقلة بالمعاناة: بين الإدمان والتفكك الأسري، العنف، الحروب، الاغتراب الثقافي. من خلال تعدد الأصوات السردية، يمنح الكاتب لكل شخصية مساحة للتعبير عن ذاتها، بحيث تبدو كل حكاية وكأنها رواية مستقلة داخل النص الكبير.

من بين هذه الشخصيات هدى ذات الأصول العراقية التي عاشت تجربة الانفصال العائلي والاغتراب، حفيظة القادمة من بيئة شيشانية مزقتها الحروب، آمال التي عانت من قسوة الأب والتشدد الأسري، فضلاً عن شخصيات أخرى مثل مارتا ولاورا وأماندا وكاميليا وزهرة، كل منهن تحمل جرحاً خاصاً يفسر مسار حياتها المضطرب.

يشكل العنوان (الماردة والصبايا) عتبة أساسية للدخول إلى النص الروائي. فالعنوان في النظرية السردية يمثل مفتاح القراءة الأولى للعمل الأدبي. قد أراد الكاتب من خلاله الإشارة إلى حالة التمرد الكامنة في داخل الشخصيات، أو ذلك الصوت الداخلي الذي يدفعهن إلى الخروج عن القيود الاجتماعية. ربما يمكن قراءة (الماردة) بوصفها رمزاً للنزعة المتمردة التي تتصارع مع القيم التقليدية والضغوط الاجتماعية.

تتميز الرواية ببنية سردية غير تقليدية، إذ يعتمد الكاتب أسلوب تعدد الأصوات، بحيث تتناوب الشخصيات على سرد حكاياتها بضمير المتكلم. هذا الأسلوب يمنح النص حيوية وواقعية، يجعل القارئ قريباً من التجربة النفسية لكل شخصية.

كما يوظف الكاتب تقنية الاسترجاع الزمني (الفلاش باك)، فيعود بالقارئ إلى الماضي ليكشف جذور الأزمات التي قادت الفتيات إلى مصائرهن الحالية. تتداخل في النص موضوعات عديدة مثل التفكك الأسري، تأثير المخدرات، قضايا الاندماج الثقافي للمهاجرين، الصراع بين القيم التقليدية والانفتاح الاجتماعي في المجتمع الغربي.

يظهر في الرواية أيضاً تداخل الفنون والمعارف، هو أمر يرتبط بخلفية الكاتب العلمية؛ إذ تتخلل النص حوارات تتناول العمارة والهندسة والتصميم الحضري، فضلاً عن الإشارة إلى تجربة المعمارية العراقية العالمية زها حديد، ما يضفي على الرواية بعداً معرفياً إضافياً.

لا تكتفي الرواية بسرد حكايات الألم، بل تسعى إلى طرح رسائل تربوية واضحة تتعلق بأساليب التربية والعلاقة بين الآباء والأبناء. فالكاتب يؤكد من خلال شخصيات المعالجات النفسيات في المركز التأهيلي أهمية احترام مشاعر الطفل وتنمية مواهبه، ضرورة أن تقوم التربية على الحوار والشراكة لا على القمع أو العنف.

كما يطرح النص إشكالية اندماج المهاجرين في المجتمع الأوروبي، فضلاً عن تأثير الخلفيات الثقافية المختلفة في تشكيل سلوك الجيل الثاني من أبناء المهاجرين. يستند الكاتب في ذلك إلى تجربته الطويلة في المجتمع السويدي وعمله في مجال المؤسسات المدنية والثقافية.

خاتمة
تعد رواية (الماردة والصبايا) عملاً روائياً جريئاً في موضوعه وبنيته الفنية. فهي ليست مجرد حكاية عن مجموعة فتيات ضائعات، بل محاولة لفهم الأسباب العميقة لانحراف الشباب، قراءة التحولات الاجتماعية.

قد يعجبك ايضا