نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة آلام في حياة الإنسان يمكن للكلمات أن تقترب من وصفها، ثمة آلام أخرى تبقى عصية على اللغة مهما اتسعت مفرداتها. من بين هذه الآلام ما يعرف بجرح الروح؛ ذلك الجرح العميق الذي لا يرى بالعين ولا يقاس بميزان ظاهر، لكنه يترك في النفس أخدوداً طويلاً من الحزن والتأمل والصمت. فمن ذا الذي يستطيع أن يشرح هذا الألم لمن لم يختبره؟ حتى لو امتلك المرء مفردات اللغات جميعها، فلن يبلغ جوهر الحقيقة كاملة؛ قد يلامس أطرافها، لكنه لن يلامس عمقها كما يشعر بها صاحبها.
أحياناً يعجز حتى من يحمل هذا الجرح عن وصفه. تخرج الكلمات من فمه مبهمة، متعثرة، كأنها تحاول أن تعبر عن شيء أكبر من قدرتها على البوح. قد لا يخرج من القلب سوى تنهيدة ثقيلة، كأنها صادرة من جوف بركان لم ينفجر بعد. في أحيان أخرى تنهمر الدموع بلا توقف، كأنها محاولة يائسة لغسل الألم الذي لا يندمل. قد تنساب دمعة واحدة بصمت مهيب، أكثر بلاغة من ألف كلمة. لكن أشد اللحظات قسوة هي تلك التي يصمت فيها الجسد، تجف العين، تبقى الكلمات عالقة في الحلق كغصة لا طريق لها إلى الخروج.
حينها يتبدل إيقاع الحياة في الداخل؛ يجافي النوم العيون، يتثاقل الجسد عن استقبال الفرح، بينما يظل العقل أسيراً لدائرة لا تنتهي من التفكير. روح مجروحة تبحث عن خلاصها، لكنها لا ترى طريقاً واضحاً. الأفكار تتردد في الذهن بلا جدوى، الوجوه من حولها تبدو بعيدة، كأنها لا تنتمي إلى العالم نفسه. في غياب اليد الصادقة التي تفهم لغة الألم، يبدأ الجسد في الانهاك شيئاً فشيئاً؛ قد ينهار العقل من ثقل الحيرة، أو يتصدع القلب من فرط الصمت. مع ذلك يبقى جرح الروح حاضراً، محفوراً في الداخل كأخدود طويل لا يندمل بسهولة.
لعل الإنسان، في لحظة ضعف، يحاول أن يخفف من ألمه بالاقتراب من آلام الآخرين، كأنه يريد أن يغمر روحه في جراحهم عله يجد فيها عزاءً أو شفاءً. لكنه يكتشف أن تلك الجراح تذوب في عذاباته كما يذوب الملح في البحر؛ يفهم لغة أرواحهم، لكنه لا يجد روحاً تفهم لغته الخاصة. حتى تلك الروح التي ظن أنها الأقرب إليه، لم تستطع أن تقرأ ما كان يخفيه في أعماقه. مع ذلك لم يحمل لها إلا الشفقة والرجاء.
في لحظة ما، حين تراجعت عنه لظروفها الخاصة وهو يحترم قرارها ذلك بقناعة، شعر كأنه يتراجع هو أيضاً عن جزء من ذاته. لقد وهبها ملاذاً من روحه، فقبلت الدفء لحظة ثم مضت، تاركة تلك الروح تتلمس طريقها في تيهٍ طويل. وحين غادرت، أحس كما لو أن الروح قد فارقت الجسد وهو ما يزال حياً؛ شعور يشبه الغياب في قلب الحضور. صمتها حين احتاج إلى إجابة كان أشبه بباب موصد في وجه أسئلته. ومع ذلك لم يتعلم الكراهية؛ فبعض القلوب، مهما جرحت، تبقى عاجزة عن تحويل الحب إلى خصومة.
لقد أدرك في النهاية أن أكثر ما يجرح الروح ليس الغضب ولا اليأس ولا الحزن، بل كتمان الحب نفسه؛ ذلك الحب الذي أدخره الإنسان سنوات طويلة، تمنى أن يهبه لمن يعتقد أنه يستحقه. حين يحبس هذا الشعور في الداخل، يتحول إلى ثقل لا يراه أحد، لكنه يترك أثره العميق في الروح.
مع مرور الوقت يتعلم الإنسان درساً قاسياً لكنه ناضجاً: أن الضوء الحقيقي في العالم لا تراه العيون وحدها، بل تشعر به الروح. ربما لم تستطع تلك الروح الأخرى أن ترى الضوء الذي حمله في داخله، لكنه ما يزال قادراً على رؤيته في نفسه وفيها. وهكذا يكتشف أن الصدق أثمن ما يملكه، أن الحب الحقيقي قد يختبر الإنسان ويكسره لحظة، لكنه يعلمه في النهاية كيف ينهض أكثر قوة ووعيا.
فالحب الصادق، مهما جرح، لا يموت تماماً، يترك لحظة اللقاء في يومٍ ما. قد يتحول إلى ذكرى، أو إلى نور خافت يرافق صاحبه في طريقه، لكنه يظل شاهداً على قدرة الروح على العطاء حتى في أكثر لحظاتها ألماً. لهذا يبقى جرح الروح، على قسوته، باباً لفهمٍ أعمق للحياة وللقلب الإنساني؛ جرحاً يعلم الإنسان أن الألم، مثل الحب، جزء من رحلته نحو النضج والضوء.