محمد علي محيي الدين
تمثّل الدكتورة آمال كاشف الغطاء واحدةً من الشخصيات النسوية العراقية التي جمعت بين أصالة النسب العلمي، وسعة الثقافة، والحضور الاجتماعي والفكري. فهي ابنة العلامة الكبير سماحة الشيخ علي آل كاشف الغطاء (قدس سره)، وحفيدة المصلح الإسلامي الكبير الإمام المجدد الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، أحد أبرز علماء النجف الأشرف في القرن العشرين، وصاحب المؤلفات الموسوعية والخطابة المؤثرة التي تركت بصمتها في الفكر الإسلامي المعاصر. ومن هذه الأسرة العلمية العريقة التي كان لها باع طويل في الفقه والفكر والتأليف، نشأت آمال كاشف الغطاء وترعرعت في أجواء العلم والأدب، فحملت إرث العائلة الثقافي وواصلت مسيرتها في ميادين الفكر والمعرفة.

ولدت الدكتورة آمال كاشف الغطاء في مدينة النجف الأشرف عام 1944م، في بيت عرف بالعلم والفضل، وكانت نشأتها في هذه البيئة الدينية والثقافية سببًا في تشكل شخصيتها العلمية والأدبية منذ وقت مبكر. فقد عُرفت أسرة آل كاشف الغطاء بمكانتها العلمية المرموقة بين أسر النجف، وبما قدمته من أعلام كبار في الفقه والأدب والإصلاح الاجتماعي، الأمر الذي ألقى بظلاله على تكوينها الفكري والثقافي.
أكملت دراستها الإعدادية عن طريق الامتحان الخارجي، ثم التحقت بكلية الصيدلة في جامعة الموصل، لتتخرج فيها عام 1970. وقد جمع مسارها العلمي بين التخصص العلمي الحديث والاهتمام بالفكر والأدب، وهو جمعٌ نادر يعكس اتساع أفقها الثقافي. وبعد تخرجها عملت صيدلانية، وانتمت إلى نقابة الصيادلة العراقيين، وانتُخبت عضوًا في الهيئة الإدارية للنقابة لدورتين متتاليتين، غير أنها آثرت ترك العضوية بإرادتها بعد أن شهدت تدخلات حزب البعث في تنظيم عمل النقابة، وما رافق ذلك من خلافات فكرية وعقائدية مع بعض أعضائه أثناء الاجتماعات الدورية.
شغلت في بدايات حياتها الوظيفية عدة مواقع مهمة في وزارة الصحة، إذ عملت في دائرة التجهيزات الطبية في المذخر الطبي، كما تولت رئاسة قسم المواد الطبية والمخدرات في الوزارة، وكانت مسؤولة عن قسم المخدرات المصادرة عام 1971. غير أن مواقفها المعارضة للسلطة القائمة آنذاك، وما تعرضت له عائلتها من اعتقالات ومضايقات في زمن النظام البعثي، أدى إلى فرض الإقامة الجبرية عليها ومنعها من ممارسة مهنتها لما يقرب من عشرين عامًا. كما امتنعت خلال تلك الفترة عن تجديد عضويتها في نقابة الصيادلة لأسباب أمنية وسياسية، في موقف يعكس ثباتها على قناعاتها ومواقفها.
وفي عام 1977 قدمت استقالتها من عملها احتجاجًا على ما وصفته بالسياسات الخاطئة والإدارة الفاشلة في القطاع الصحي خلال تلك المرحلة، لتتجه بعدها إلى العمل الثقافي والاجتماعي، حيث كان لها حضور واضح في الأوساط الفكرية والأدبية.
اشتهرت الدكتورة آمال كاشف الغطاء بكونها شاعرة وكاتبة مسرح وروائية وباحثة في قضايا الفكر والأخلاق، كما عُرفت بنشاطها الثقافي من خلال مجلسها الأدبي في بغداد، الذي كان يؤمه كبار الشخصيات الأدبية والثقافية والسياسية. وقد تحوّل هذا المجلس إلى ملتقى فكري وثقافي تُلقى فيه المحاضرات وتُناقش فيه القضايا الفكرية والاجتماعية، حتى أصبح أشبه بمدرسة ثقافية يستلهم منها رواده ألوان المعرفة وأفانين الثقافة.
وكان لها حضور فاعل في العمل العام بعد عام 2003، إذ اختيرت عضوًا في الجمعية الوطنية العراقية عام 2005، وشاركت في لجنة كتابة الدستور، وهو اختيار عكس مكانتها الاجتماعية والفكرية، فضلاً عن تاريخها في العمل الثقافي والاجتماعي.
كما شاركت في العديد من المؤسسات العلمية والثقافية، فهي عضو في الجمعية العلمية الصيدلانية العراقية، وعضو في اتحاد الأدباء العراقيين، وعضو في مركز الثقلين للدراسات والبحوث الاستراتيجية. وقد شاركت في عدد من المؤتمرات الفكرية والعلمية، من أبرزها المؤتمر العالمي لأهل البيت.
وإلى جانب نشاطها الفكري، اهتمت بالعمل الاجتماعي والإنساني، إذ تولت مسؤولية مؤسسة الامام الجواد لرعاية الأيتام، وأسهمت في دعم النساء المعوزات من خلال برامج لتطوير قدراتهن المهنية، حيث قدمت المؤسسة مساعدات متنوعة، من بينها مكائن خياطة ومبالغ مالية تساعدهن على تطوير أعمالهن وتحسين ظروفهن المعيشية.
كما أولت اهتمامًا خاصًا بقضايا المرأة والطفل، فأسست منتدى ثقافيًا شهريًا، ومنتدى نسويًا يعنى بشؤون المرأة المهمشة، وعملت على إقامة دورات ومؤتمرات للتوعية الاجتماعية والثقافية. وقدمت كذلك برامج تدريبية تهدف إلى نقل المعرفة إلى الواقع العملي، خاصة في المدارس الإسلامية، مع التركيز على تنمية القدرات النسوية في المجتمع.
وكان لها نشاط ميداني واضح في متابعة المشكلات الاجتماعية، إذ قامت بزيارات ميدانية للريف العراقي، وأعدت دراسات عن أوضاعه نشرتها الصحف المحلية، كما تابعت مشكلة أطفال الشوارع والمتشردين، وأجرت دراسات حول عمالة الأطفال نشرت في الصحف العراقية. كما قامت بزيارات لعوائل الشهداء والأسر الفقيرة، ورفعت تقارير ودراسات عن أوضاع المهجرين داخل البلاد.
وفي مجال التعليم الديني، بدأت التدريس الحوزوي عام 1997 في بغداد وكربلاء، وأسهمت في إقامة ندوات توعوية للنساء والطالبات، تناولت قضايا الأسرة والمجتمع، كما سعت إلى نشر ثقافة الحوار والاعتدال والعمل على الحد من العنف الأسري.
وخلال سنوات العنف التي شهدها العراق بعد عام 2003، تولت رئاسة اللجنة الأمنية في مجلس إسناد مناطق حي العدل والجامعة والخضراء في بغداد، حيث عملت على المصالحة بين أطراف النزاعات المحلية، وسعت إلى تعزيز الأمن المجتمعي رغم ما كانت تتعرض له المنطقة من تهديدات مستمرة بالقذائف والعبوات الناسفة. وقد واصلت عملها في تلك الظروف الصعبة بدعم من رئاسة الوزراء وتوجيهاتها، ولم تغادر المنطقة رغم المخاطر التي كانت تحيط بها.
أما في المجال الفكري والأدبي، فقد تركت الدكتورة آمال كاشف الغطاء عددًا من المؤلفات التي تعكس اهتمامها بالقضايا الأخلاقية والاجتماعية والفكرية، ومن أبرزها: دروس في الأخلاق: الأخلاق الفردية والمجتمع، الأخلاق الاقتصادية الفردية في النظام الإسلامي، دور العصبية القبلية وأثرها في المجتمع العربي، طبقات الحقيقة: نفوس تقترب من فوهة البركان، الهجرة النبوية: معجزة على المستوى الاجتماعي والسياسي – دراسة موضوعية في السيرة النبوية، أشلاء مقطعة (رواية).
وتكشف هذه المؤلفات عن تنوع اهتماماتها الفكرية بين الأخلاق والاجتماع والفكر الإسلامي والأدب، كما تعكس رؤيتها الإصلاحية التي تحاول الربط بين التراث الإسلامي ومتطلبات الواقع المعاصر.
وهكذا تبدو الدكتورة آمال كاشف الغطاء شخصية متعددة الأبعاد؛ فهي ابنة بيت علم عريق، وأكاديمية متخصصة في الصيدلة، وأديبة وشاعرة، وناشطة اجتماعية، وصاحبة حضور في الحياة الثقافية والسياسية العراقية. وقد استطاعت أن تجمع بين الفكر والعمل، وبين الثقافة والميدان، لتقدم نموذجًا للمرأة العراقية التي تحمل إرث الماضي وتسعى إلى الإسهام في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.