بغداد تحولت حدائقها ومرافقها العامة إلى أبراج “للنخبة”

بغداد التآخي

في الوقت الذي تتحدث فيه الخطط الحكومية عن تنمية عمرانية واستقطاب رؤوس أموال لإنعاش المدن، يتكشّف في قلب بغداد مسار موازٍ يثير قلق المختصين والسكان معا: مسار “الاستثمار العقاري” داخل الحدود البلدية والمراكز الحيوية الذي يتحول، في كثير من حالاته، من أداة تطوير إلى قناة استنزاف منظم للمال العام والحيز الحضري. هذا ما يشير إليه بوضوح الخبير في الشؤون الاقتصادية أحمد التميمي، الذي يرى أنّ ما يُقدَّم كقصص نجاح استثمارية في العاصمة، يخفي خلف واجهات الأبراج التجارية والمجمعات المغلقة خسارة متراكمة في الفضاءات العامة، والبنى التحتية، وحق السكن العادل، وهي خسارة تُدار  تحت غطاء قانوني وإجرائي “مشوه“.

الاستثمار يحول المدينة إلى سلعة ونهب علني

 اكد أحمد التميمي أنّ “ما يسمى بـالاستثمار العقاري داخل الحدود البلدية والمراكز الحيوية، وبالأخص في بغداد، تحول في كثير من حالاته إلى أكبر عملية نهب تدار علنا تحت غطاء قانوني وإجرائي مشوه، بعيدا عن أهداف التنمية الحقيقية”. مبيتا ان: المشكلة ليست في مبدأ الاستثمار بحد ذاته، بل في الطريقة التي يُمارس بها داخل أكثر المناطق حساسية في المدينة.

الخبير يوضح أنّ “هذا النمط من الاستثمار لا يستند إلى رؤية تخطيطية عادلة ولا إلى احتياجات سكنية أو خدمية فعلية، بل يقوم على تحويل أراض عامة ومناطق خضراء ومواقع خدمية إلى مشاريع ربحية مغلقة، تمنح بآليات غير شفافة، وتسعّر لصالح فئات محدودة على حساب الصالح العام”. خلف هذا الوصف تقف ممارسات باتت مألوفة لسكان العاصمة: مساحات كانت مخصصة حدائق أو مدارس أو مرافق خدمية، تتحول إلى مجمع تجاري أو برج سكني فاخر؛ ساحات كانت متنفسا للأحياء تسيّج لصالح مشروع استثماري لا يملك معظم سكان المنطقة القدرة على الاستفادة منه..

ضغط على البنى التحتية وتآكل للفضاءات العامة

بحسب التميمي، “بغداد، بوصفها مركزا إداريا واقتصاديا، كانت الأكثر تضررا، حيث جرى تجاوز المخططات الأساسية، والضغط على البنى التحتية، وحرمان السكان من الفضاءات العامة، مقابل تصاعد أسعار الأراضي والإيجارات بشكل غير مبرر، ما عمق الفجوة الاجتماعية وأضعف القدرة على السكن اللائق”. هنا تبرز مفارقة واضحة: المدينة التي تحتاج إلى توسعة متناغمة مع نمو السكان، تُدفع باتجاه كثافة عمرانية عشوائية داخل أحيائها القائمة، من دون استيعاب حقيقي للضغط على الشوارع والمدارس وشبكات الصرف الصحي والطاقة.

النتيجة المباشرة لهذه السياسات هي انفلات في سوق الأرض والإيجار , وتجعل المتر المربع في أحياء معينة خارج قدرة شرائح واسعة من الموظفين وأصحاب الدخل المحدود، بينما لا تُنتج – في المقابل – حلولاً فعلية لأزمة السكن الشعبي أو المتوسط. جزء معتبر من هذه الاستثمارات يوجه لشريحة قادرة ماليا، أو يعتمد على الشراء بغرض الادخار والمضاربة، لا بغرض السكن الفعلي، ما يعني أن المدينة تُعاد هيكلتها لمصلحة أقلية صغيرة، في الوقت الذي تتزايد فيه معاناة الأغلبية من إيجارات مرتفعة وفرص محدودة للحصول على منزل لائق داخل حدود العاصمة.

ثغرات قانونية وغياب للجدوى الاجتماعية وهدر المال العام

ما يلفت بوضوح أنّ الخلل “لا يقتصر على التنفيذ، بل يبدأ من الإطار التشريعي والرقابي، إذ تستغل ثغرات القوانين، وتغيب دراسات الجدوى الاجتماعية والبيئية، ولا تعلن تفاصيل العقود ولا شروط المفاضلة، ما يفتح الباب أمام تضارب المصالح وإهدار المال العام”..

عندما تُحوَّل أرض مملوكة للدولة أو مخصصة لخدمة عامة إلى مشروع ربحي طويل الأمد، دون تقييم شفاف لقيمة الأرض، أو مقارنة جدية بين العائد المتحقق للموازنة والعائد الذي كان يمكن تحقيقه لو استُخدمت لأغراض أخرى؛ فإنّ الفارق بين القيمة الحقيقية والقيمة المعتمدة في العقد يتحول إلى مساحة محتملة لهدر المال العام ، وعدم وضوح معايير اختيار المستثمرين، تتسع مساحة الشك في وجود تضارب مصالح أو صفقات تُفضّل أسماء بعينها على حساب مبدأ المنافسة وأداة لتحسين جودة حياة سكان المدينة

امام هذا الواقع، لا يكتفي التميمي بالتشخيص، بل يطرح مجموعة خطوات يعتبرها ضرورية لإيقاف النزيف وإعادة ترتيب الأولويات. فهو “يشدد على أنه يجب إيقاف منح المشاريع داخل المراكز الحيوية مؤقتا، وإجراء مراجعة شاملة لكل العقود المبرمة، وتفعيل الشفافية الكاملة بنشر الخرائط والعقود والأسعار، وإشراك النقابات والجامعات والمجتمع المحلي في صنع القرار

قد يعجبك ايضا