محمد علي محيي الدين
كان جمال الدين بن علي علاء الدين الآلوسي واحداً من أولئك الرجال الذين صاغوا حياتهم من حبر وكتاب، وجعلوا من التعليم رسالة، ومن اللغة العربية قدراً جميلاً لا فكاك منه. وُلد في تكريت سنة 1320هـ الموافق 1902م، وحمل معه من مدينته الأولى صفاء البدايات، قبل أن تستقر به الإقامة في بغداد، في الأعظمية، حيث صار البيت في شارع عمر بن عبد العزيز عنواناً لروحٍ مشدودة إلى العلم والأدب والوطن.

بدأ تعليمه في حضرة الملا خديجة، فختم القرآن الكريم، وتشرب منذ نعومة أظفاره هيبة اللغة وقداستها، ثم أكمل دراسته الابتدائية في تكريت، والإعدادية في المدرسة النموذجية ببغداد سنة 1917، وفي هذه السنوات المبكرة تفتحت مداركه على النحو والفقه والقرآن على يد والده وأخواله، فكان البيت مدرسة أخرى، لا تقل شأناً عن المدارس الرسمية. وحين دخل دار المعلمين سنة 1920 وتخرج فيها بعد سنتين، لم يكن يتجه إلى وظيفة عادية، بل إلى رسالة كان يؤمن بأنها أرفع صور الخدمة الوطنية.
عمل معلماً، ثم مديراً، وأدار عدداً من المدارس، منها الإعدادية الغربية، وكان يرى في التعليم فضاءً للحرية الشخصية، ومنبراً للثقافة، ووسيلة لبناء الإنسان قبل أن يكون سلّماً للترقي الوظيفي. ولمّا جاءت ثورة مايس سنة 1941، لم يقف موقف المتفرج، بل شارك فيها عبر الإذاعة، فدفع ثمن موقفه اعتقالاً وسجناً امتد ستةً وثلاثين شهراً بين سجن الفاو وسجن العمارة، ثم فُصل من الخدمة خمس سنوات. غير أن السجن لم يكسر روحه، بل زادها صلابة، وعاد بعدها إلى التعليم، فعُيّن مدرساً في دار المعلمين الابتدائية في بغداد، وبقي فيها ستة عشر عاماً، قبل أن يحيل نفسه إلى التقاعد سنة 1961، مختاراً أن يبقى وفياً لمهنته الأولى والأخيرة: التعليم.
أما القلم، فقد كان شقيق روحه الذي لا يفارقه. أول مقال كتبه كان بعنوان “أثر الصحافة في التعليم والمجتمع”، ونُشر افتتاحية في جريدة دجلة سنة 1922، وكأنها كانت بيان ولادة لكاتبٍ أدرك باكراً خطورة الكلمة ودورها في تشكيل الوعي. بعدها توزعت مقالاته وبحوثه في الصحف والمجلات العربية الكبرى، فكتب في جريدة العراق لروفائيل بطي، وفي مجلة العربي الكويتية، والرسالة المصرية لأحمد حسن الزيات، ومجلة الكاتب المصري لطه حسين، كما كتب في الأقلام والحرية والرسالة الإسلامية وغيرها، وكتبت عنه الصحف العراقية، وأجريت معه مقابلة مطولة في تلفاز بغداد ضمن برنامج “سيرة وذكريات”، فكان حضوره الإعلامي امتداداً طبيعياً لحضوره الثقافي.
امتلك جمال الدين الآلوسي مشروعاً معرفياً واضح المعالم، فله أربعة مؤلفات في البلاغة والنحو والأدب بالاشتراك مع غيره، وله اثنا عشر كتاباً مطبوعاً، فضلاً عن كتب أعدها للطبع، من أبرزها موسوعته “سيرة وذكريات وأحداث” في ثلاثة أجزاء، وكتابه الكبير عن “أدب الحرب الأولى والثانية”، الذي ربط فيه بين التاريخ والأدب، من حروب العرب قبل الإسلام إلى القادسية، ثم إلى ثورة العشرين وثورة مايس، وصولاً إلى حرب الخليج الأولى، جامعاً بين النصوص الأدبية والأحداث الجسام. كما أعد كتاباً في المختار من ديوان المتنبي مشفوعاً بالشرح والأمثلة، وكتاباً في التراجم والسير لعدد من العلماء والأدباء الذين تحدث عنهم في الإذاعة والتلفزيون، فكان مؤرخاً للأشخاص كما كان مؤرخاً للأفكار.
وما أكثر من كتب عن كتبه، من أمثال محمد بهجت الأثري، ومير بصري، وعبد القادر البراك، وعبد الرزاق الهلالي، وناجي القشطيني، وحميد الرشودي، حتى جريدة الأهرام المصرية وقفت عند جهده العلمي، اعترافاً بقيمته وأثره في الثقافة العربية.
شارك في مؤتمرات أدبية وفكرية مهمة، منها مؤتمر شوقي في القاهرة سنة 1959 ضمن الوفد العراقي الرسمي، وكان بحثه عن “شوقي وأثره في الشعر العراقي” شهادة وافية على عمق اطلاعه وصلته بالتراث الشعري. وفي دمشق سنة 1976 شارك في أسبوع العلم، حين خُصص جزء منه لذكرى محمد كرد علي، فقدم بحثاً عن رحلات كرد علي وأثرها في تكوينه الفكري، مؤكداً مرة أخرى ولعه بالتراجم الفكرية الكبرى.
وفي حياته التنظيمية انتمى في بداياته إلى حرس الاستقلال السري، ثم إلى جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين، فإلى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وكانت هذه الانتماءات تعبيراً عن وعيه المبكر بأن الثقافة موقف، وأن الكاتب لا يعيش خارج قضايا وطنه.
عرفته عن قرب، والتقيته كثير المرات في مجلس الدكتور عبد الرزاق محيي الدين، وكان من أوفى رواد ذلك المجلس، لا يتخلف عنه إلا لعذر قاهر، وحين رحل الدكتور ظل جمال الدين الآلوسي مواظباً على حضور مجلسه، وفاءً للصداقة واحتفاءً بالذكرى، حتى وافته المنية في بغداد سنة 1990. كان مفوهاً بليغاً، لا يتكلم إلا بالفصحى، وكأن العامية لا تجد طريقها إلى لسانه، واسع الاطلاع في الأدب والفكر والسياسة، متخصصاً في اللغة العربية، من أجلّ اللغويين والنحاة في عصره، له في كل قضية موقف، وفي كل حديث رأي، وفي كل نقاش بصمة.
ومن أهم مؤلفاته التي بقيت شاهدة على سعة أفقه وعمق ثقافته: كتابه عن محمد كرد علي (1966)، وأُسامة بن منقذ (1968)، وتحقيقه “الدر المنتثر” مع الدكتور عبد الله الجبوري، وكتاب “الجزائر بلد المليون شهيد” (1969)، و”أدب أحمد الزيات في العراق” (1974)، و”طه حسين بين أنصاره وخصومه” (1973)، و”الدبلوماسية العربية” (1979)، و”المتخير من حديث الرسول الكريم” (1970)، وكتابه عن ساطع الحصري (1987)، وعن عباس محمود العقاد بوصفه عملاق الأدب والفكر والفن (1987)، ثم كتابه الكبير “بغداد في الشعر العربي من تاريخها وأخبارها الحضارية” الذي طُبع على نفقة المجمع العلمي العراقي سنة 1987، وكأنه كان يودع بغداد بكتاب يليق بتاريخها ومكانتها.
هكذا كان جمال الدين الآلوسي: معلماً قبل أن يكون أديباً، وأديباً قبل أن يكون مؤرخاً، ومثقفاً حمل اللغة العربية كما يحمل المؤمن عقيدته، لا ترفاً ولا زينة، بل مسؤولية ورسالة. ترك وراءه سيرة تشبه كتبه: واسعة، عميقة، ومشبعة بروح الوطن، وبقي اسمه واحداً من الأسماء التي إذا ذُكرت استُحضرت معها هيبة العلم ووقار الكلمة وصدق الانتماء.