اعداد ـ التآخي
موضوع الضرائب يمس جوهر العلاقة بين الفرد والدولة منذ فجر التاريخ، وفكرة “الضريبة” لم تبدأ كأرقام في ميزانية، بل بدأت كطريقة لتنظيم البقاء والمجهود الحربي وبناء الحضارات.
كانت البدايات من “القرابين” إلى “المساهمة الإجبارية”، فلم تكن الضرائب في البداية تُدفع نقدا (لعدم تواجد العملات)، بل كانت تُدفع جهدا أو عينا، في مصر القديمة (نحو 3000 ق.م)، يُعتقد أن الفراعنة كانوا أول من وضع نظاما ضريبيا منظما. كان الفلاحون يدفعون جزءا من محاصيلهم (غالبا الحبوب) للدولة مقابل الحماية وإدارة نظام الري.
بلاد ما بين النهرين (العراق القديم)، ظهرت فيه “السخرة”، حيث كان السكان يدفعون ضريبتهم من خلال العمل الإلزامي في مشاريع الدولة كبناء المعابد أو شق القنوات.
وفي الدولة الإسلامية، تطور المفهوم بوضوح بوساطة الزكاة (كفريضة دينية واجتماعية)، والخراج (على الأراضي المفتوحة)، والجزية. وكان بيت المال هو المؤسسة التي تدير هذه الجبايات لتمويل الجيش والخدمات العامة.
والضريبة كما نعرفها اليوم (نسبة مئوية من الدخل أو الاستهلاك) استقرت مع ظهور الدولة القومية والحروب الكبرى، فضريبة الدخل، فُرضت لأول مرة في بريطانيا عام 1799 لتمويل الحرب ضد نابليون بونابرت، وكان يُفترض أنها “مؤقتة”، لكنها أثبتت فاعليتها وبقيت للأبد.
ولقد حدثت الثورات بسبب الضرائب، اذ كانت الضرائب المحرك الأساسي لأحداث تاريخية كبرى، مثل الثورة الأمريكية (شعار “لا ضرائب من دون تمثيل”) والثورة الفرنسية، حيث احتج الناس على إعفاء النبلاء والتحميل على الفقراء.
يقول العالم ابن خلدون في “المقدمة” إن الدول في بدايتها تضع ضرائب منخفضة فتجني إيرادات كبيرة (لأن النشاط الاقتصادي يزدهر)، وفي نهايتها ترفع الضرائب فتقل الإيرادات (لأن الناس يتوقفون عن العمل أو يهربون من الضريبة).
وللمقارنة التاريخية بين الضرائب فانه في العصر القديم كانت الضرائب عبارة عن محاصيل وعمالة (سخرة) بناء الأهرامات والقنوات، والضرائب في العصور الوسطى عبارة عن خراج وإقطاعيات تمويل الجيوش والحروب وفي العصر الحديث دخل ومبيعات لتقديم الخدمات والرفاه الاجتماعي.
تأثير الضرائب على الاقتصادات (سلاح ذو حدين)
ان قرار الحكومة العراقية مؤخرا برفع نسبة الضرائب في العراق بين 5% و30% يعد قفزة هائلة اقتصاديا، ولها تأثيرات متناقضة، فالآثار الإيجابية المحتملة (وجهة نظر الدولة)، ينتج عنها حماية المنتج المحلي برفع الضريبة على السلع الأجنبية يجعلها أغلى، مما يشجع السكان على شراء السلع “صنع في العراق”، وهذا يحفز المصانع المحلية، وتؤدي زيادة الضريبة الى تنويع مصادر الدخل بتقليل الاعتماد على النفط وتمويل الخزينة من مصادر داخلية مستدامة.

اما الآثار السلبية المحتملة (وجهة نظر المستهلك والتاجر)، فتتعلق بالتضخم وارتفاع الأسعار فورا، لأن التاجر سيقوم بنقل تكلفة الضريبة إلى المستهلك النهائي.
وعندما تصل الضريبة إلى 30%، تزداد جاذبية “التهريب” عبر الحدود غير الرسمية للهرب من الجمارك، مما قد يحرم الدولة من الإيرادات تماما، وإذا كانت القدرة الشرائية للمواطن ضعيفة، فإن رفع الأسعار يؤدي إلى عزوف الناس عن الشراء، مما يضرب حركة السوق ويتسبب في الركود.
ان فهم السياق الإقليمي يساعدنا على معرفة ما إذا كان الرقم (30%) يقع ضمن النطاق الاعتيادي أم أنه يشكل “صدمة” اقتصادية للسوق.
تعتمد الدول عادة في تحديد نسب الضرائب الجمركية على استراتيجيتها: هل هي دولة استهلاكية (تخفض الضرائب لتسهيل الاستيراد) أم صناعية (ترفعها لحماية منتجها)؟
وبمقارنة نسب الرسوم الجمركية في العراق بالجوار والدول الاقليمية، في الإمارات نسبة الضريبة 0% – 5% من أدنى النسب عالميا، لأن اقتصادها يعتمد على “إعادة التصدير” والحرية التجارية، ولا تتوافر فيها صناعة متميزة.
في الأردن الضريبة من 0% – 30% تفرض نسبا عالية على السلع الكمالية والسيارات لحماية ميزانها التجاري، السعودية 5% – 15% رفعت الرسوم على مئات السلع في السنوات الأخيرة لدعم الصناعة الوطنية (رؤية 2030). تركيا 0% – 145% نظام معقد جدا؛ تفرض ضرائب باهظة تصل لأرقام قياسية على المستورد الذي له بديل محلي.
مصر 5% – 60% تتبع نظاما حمائيا قويا، وتصل الرسوم على بعض السلع (مثل السيارات) لمستويات مرتفعة جدا.
اما العراق فتاريخيا كانت النسب منخفضة جدا (رسم إعادة الإعمار 5%)، والقفزة إلى 30% يعد تحولا جذريا.
عند مقارنة هذه النسب، نجد أن الـ 30% ليست “بدعة” عالمية، فهناك دول تفرض أكثر من ذلك، لكن الإشكالية تكمن في الفجوة والسرعة: الدول التي تفرض 30% (مثل تركيا أو مصر) لديها قاعدة صناعية توفر بديلا للمواطن. في العراق، إذا ارتفع سعر “معجون الطماطم” المستورد بنسبة 30% ولا يتواجد بديل محلي كافٍ، فإن المتضرر هو مائدة الفقير مباشرة.

وفي ظل تواجد حدود واسعة ومنافذ غير رسمية، فإن رفع الضريبة إلى 30% قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ اذ يهرب التجار من المنافذ الرسمية (القانونية) إلى “المهربين”، فتخسر الدولة حتى الـ 5% التي كانت تجبيها سابقا.
الضرائب لا تزيد بالضرورة إيرادات الدولة
منحنى لافر (Laffer Curve) وهو مفهوم اقتصادي يوضح أن رفع نسبة الضريبة لا يعني بالضرورة زيادة إيرادات الدولة، فبعد نقطة معينة، تؤدي الضريبة العالية إلى خنق التجارة لدرجة أن إيرادات الدولة تبدأ بالانخفاض بدلا من الارتفاع.
الحكومة العراقية تحاول عبر هذه الخطوة تقليل خروج العملة الصعبة (الدولار) وتشجيع المصانع المحلية المعطلة. لكن التحدي يكمن في توفير “البديل المحلي” أولا، لكيلا تتحول الـ 30% إلى ضريبة يدفعها المواطن البسيط من قوته اليومي.
ويرتبط قرار رفع الضرائب الجمركية في العراق ارتباطا وثيقا بـ “قانون حماية المنتجات الوطنية” (رقم 11 لسنة 2010)، وهو القانون الذي يُفترض أن يكون الدرع الذي تستعمله الدولة لإنعاش مصانعها.
القانون لا يهدف لجمع المال فحسب، بل يعمل كميزان. عندما يغرق السوق بسلع أجنبية رخيصة (بسبب دعم دولها لها أو انخفاض تكاليف إنتاجها)، لا يستطيع المصنع العراقي المنافسة، هنا تتدخل الدولة بفرض “رسوم تعويضية” أو “رسوم إغراق”: إذا كان سعر المنتج المستورد (أ) هو 1000 دينار، وتكلفة إنتاجه محليا 1200 دينار، تفرض الدولة ضريبة 30% على المستورد ليصبح سعره 1300 دينار. النتيجة: يصبح المنتج المحلي أرخص وأكثر جذبا للمستهلك.
وبحسب القانون العراقي، لا تُفرض هذه الضرائب عشوائيا، بل يجب توفر شروط بوجود ضرر واقع: أن يثبت أصحاب المصانع المحلية أن الاستيراد تسبب في خسائر مادية أو تسريح عمالة، ويجب أن يغطي الإنتاج المحلي نسبة معينة من حاجة السوق (مثلا 50% فأكثر)، لكيلا تنقطع السلع عن الناس؛ وأن يكون المنتج المحلي مطابقا لمواصفات التقييس والسيطرة النوعية.
وبرغم نبل أهداف القانون، إلا أن تطبيقه في العراق حاليا يواجه “فجوة” كبيرة تثير قلق الشارع من ذلك غياب “البديل الجاهز” فالحماية تنجح عندما يكون المصنع العراقي واقفا على قدميه ويحتاج فقط لدفعة، لكن في الواقع، كثير من المصانع العراقية (سواء القطاع العام أو الخاص) تعاني من، انقطاع الكهرباء وارتفاع أسعار الوقود (مما يرفع تكلفة الإنتاج)، وإذا فُرضت الضريبة بنسبة 30% قبل أن ينهض المصنع المحلي، سيبقى المستهلك يشتري المستورد “الغالي” لأنه لا يجد البديل، وهذا يسمى “ضريبة على الاستهلاك” وليس حماية للمنتج.
ورفع الضرائب لنسبة عالية (30%) يشجع على التهرب الضريبي عبر المنافذ غير الرسمية، مما يؤدي إلى، فقدان الدولة للسيطرة على جودة السلع الداخلة، و خسارة الإيرادات الجمركية لصالح المهربين.
التجار والمحتجون يرون أن الحكومة بدأت بـ “العقوبة” (رفع الضرائب) قبل “المكافأة” (توفير بيئة صناعية آمنة، كهرباء رخيصة، وقروض ميسرة). يخشى الجميع أن تؤدي هذه الخطوة إلى ارتفاع “سلة الغذاء” والاحتياجات اليومية في وقت يعاني فيه السوق من تذبذب سعر الصرف.
العراق يحاول الانتقال من “اقتصاد ريعي” (يعيش على النفط) إلى “اقتصاد إنتاجي”. لكن هذا الانتقال يشبه العملية الجراحية؛ فإذا كانت “جرعة التخدير” (التدرج في الضرائب) غير كافية، سيشعر المجتمع (المريض) بألم شديد قد يؤدي لرفض العملية بالكامل.

لقد استهدفت القائمة الأخيرة في العراق بشكل أساسي السلع التي تعتقد الحكومة أن لها “بديلا محليا” أو تلك التي تعد “سلعا تكميلية” (ليست أساسية للحياة اليومية كالخبز والدواء)، وذلك لتقليل الضغط على طلب الدولار.
إليك أبرز الفئات التي شملها الرفع أو التي يجري التركيز عليها ضمن قانون حماية المنتج: السلع الغذائية والزراعية هذه الفئة هي الأكثر حساسية لأنها تمس مائدة العائلة العراقية مباشرة: الألبان ومشتقاتها: (الأجبان، الزبادي، القشطة) هناك محاولة قوية لدعم معامل الألبان الوطنية (مثل مصانع أبو غريب والقطاع الخاص).
العصائر والمشروبات الغازية، رفعت الضرائب عليها بنسب عالية جدا لتواجد وفرة في المصانع المحلية. المياه المعدنية: تُفرض عليها ضرائب حماية لأن الإنتاج المحلي يغطي الحاجة بالكامل تقريبا. البيض والدجاج: تخضع لـ “رزنامة زراعية”، اذ تُرفع الضرائب أو يُمنع الاستيراد تماما في مواسم وفرة الإنتاج المحلي.
ضرائب المواد الإنشائية، يهدف القرار هنا إلى تحريك قطاع البناء الوطني، الأصباغ والطلاء: هناك معامل عراقية عريقة تحاول الحكومة حمايتها من المستورد (الإيراني والتركي خاصة). الأنابيب البلاستيكية (PVC): لتواجد معامل محلية قادرة على سد حاجة المشاريع. الطابوق والثرمستون، تُفرض عليها رسوم عالية لمنع إغراق السوق بالمنتجات الحدودية.
السلع الكمالية والمنزلية، المنتجات الورقية (المناديل الورقية، الحفاظات) – شهدت زيادة ملحوظة في الضرائب الجمركية. المنظفات: (الشامبو، الصابون، مساحيق الغسيل) – تتوفر بدائل محلية كثيرة، لذا رُفعت الرسوم على المستورد منها.
العقبات التي يواجهها هذا الرفع (لماذا يحتج التجار؟)
المشكلة ليست في القائمة بحد ذاتها، بل في التوقيت والخدمات، فالمصنع العراقي يشتري “الديزل” للمولدات، فيما المصنع التركي أو الإيراني يحصل على كهرباء مدعومة، مما يجعل المنتج العراقي -حتى مع الضريبة- أغلى أحيانا. المنافذ غير الرسمية: التجار الملتزمون بالقانون يدفعون الـ 30%، في حين تدخل السلع نفسها عبر طرق أخرى بضريبة “صفر”، مما يسبب خسارة للتاجر النظامي.
الجودة والتغليف: لا يزال المستهلك العراقي يميل للمنتج الأجنبي بسبب “التسويق والجودة”، مما يجعل رفع السعر يظهر كأنه عقوبة للمستهلك وليس دعما للمنتج.
تراهن الحكومة على أن المواطن عندما يجد “الزبادي” المستورد بـ 1500 دينار والمحلي بـ 1000 دينار، سيختار المحلي تلقائيا. هذه هي الطريقة التي بنيت بها اقتصادات دول مثل كوريا الجنوبية واليابان في بداياتها.
موازنة الضرائب من دون الإضرار بالفقراء؟
الاقتصاد لا يتحمل الصدمات الفجائية، والطبقات الفقيرة هي دائما “حائط الصد” الأول لأي قرار ضريبي. لتحقيق التوازن بين حماية المنتج وحماية المواطن، يقترح الخبراء والشركاء الدوليون عدة استراتيجيات: منها، التدرج الضريبي (وليس القفز)، و بدلا من رفع الضريبة من حدودها الدنيا إلى 30% في ليلة وضحاها، يمكن للدولة اتباع نظام “السلم”: السنة الأولى: رفع الضريبة إلى 10% (لتعريف السوق بالتوجه الجديد). السنة الثانية: 20% (مع مراقبة نمو المصانع المحلية). السنة الثالثة: الوصول إلى 30% بعد التأكد من أن المنتج المحلي غطى السوق.
ومن الأساليب الأخرى، تطبيق سياسة “الدعم المقابل” (Subsidies)، فلا يمكن مطالبة المصنع العراقي بمنافسة المستورد وهو يدفع مبالغ طائلة للكهرباء والوقود. المعادلة الناجحة تكون: تأخذ الدولة من المستورد (عبر الضرائب)، تعطي الدولة للمنتج المحلي (عبر خفض سعر الوقود الصناعي، وتوفير قروض ميسرة، وإعفاء الآلات والمواد الأولية من الجمارك). النتيجة: ينخفض سعر المنتج المحلي، فيشتريه الفقير كبديل رخيص وعالي الجودة.
ويجب استثناء السلع التي لا يمتلك العراق “ميزة تنافسية” فيها أو لا ينتجها نهائيا من أي زيادة ضريبية، مثل: الأدوية المزمنة. بعض الحبوب والبقوليات التي لا تُزرع محليا بكثافة. حليب الأطفال والمستلزمات الطبية، وبقاء ضرائب هذه السلع عند 0% أو 5% يضمن عدم ارتفاع كلفة المعيشة الأساسية.
وان من أكبر مخاوف الشارع العراقي هو أن يقوم “المنتج المحلي” برفع سعره بمجرد اختفاء المنافس الأجنبي.
الحل: يجب أن تربط الدولة حماية المنتج بسقف سعري محدد. (أنا أحميك بضريبة 30%، مقابل أن تلتزم ببيع منتجك بسعر لا يتجاوز كذا)، ويجب ضبط المنافذ الحدودية (العدالة الضريبية)، فان أكبر عدو للفقير وللتاجر الملتزم هو “التهريب”. إذا طُبقت الضريبة في ميناء أم قصر ولم تُطبق في منافذ أخرى، سيحتكر المهربون السوق ويرفعون الأسعار كما يشاؤون. ان توحيد التعرفة الجمركية بين المركز وإقليم كوردستان هو مفتاح العدالة.
خلاصة الحل المتوازن: ان الضريبة ليست مجرد “جباية”، بل هي أداة لتوجيه السلوك البشري. إذا شعرت الطبقات الفقيرة أن الضريبة تُؤخذ من “جيوبهم” لتذهب إلى “خزينة الدولة” من دون أن يلمسوا تحسنا في الخدمات أو توفر بديل محلي رخيص، فستستمر الاحتجاجات.