إبراهيم خليل إبراهيم
سجل التاريخ العديد من قصص الحب التي لم نعاصرها وخلال دراستي كنت شديد الحرص على القراءة وشراء الكتب حتى تكونت لدي مكتبة كبيرة وقد بحثت عن قصص الحب الشهيرة فوجدت قصة عنترة وعبلة وبطلها عنترة بن شداد من قبيلة بني عبس وهو ذلك الفارس الذي بزّ الأعداء في حرب داحس والغبراء وأمه كانت جارية وبعد أن أثبت قدراته في الحروب ألحق نسبه ببني عبس وأصبح من الأحرار بحسب تقاليد ذلك الزمان وقد أحب عنترة ابنة عمه عبلة بنت مالك ولكن المنال لم يكن سهلاً إلى أن أنجز مهمة أسطورية في تلبية طلب والدها بجلب النوق العصافير من الملك النعمان ليكلل الهيام بالمراد وقد ذكر عنترة عبلة في أشعاره كثيراً ومعلقته الشهيرة كقوله :
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي
أيضا أذكر قصة جميل وبثينة وقد انتهت بالصدّ فجميل بن معمر الذي عاش في العصر الأموي وأحب بثينة وكلاهما من بني عذرة مع اختلاف الفرع وقد تقابلا في مرابع الإبل في مشادة بسبب الهجن في البداية انتهت إلى هيام لم ينل وطره من بثينة إذ مانعه أهلها لكنه لم يقتل الحب رغم أن محبوبته ذهبت لزواج رجل آخر بإملاء الأهل وظلت في نفسها مع هواها الأول والأخير ويقال إنهما كانا يتقابلان سراً أحياناً ليبلا الأشواق ولكن في لقاء عفيف بحسب المرويات ويشار إلى كلمة الحب العذري جاءت من هذه القبيلة بني عذرة وسياق قصة جميل وبثينة أي ذلك الحب العفيف والطاهر
بعد زواج بثينة غادرت مع زوجها المدينة المنورة إلى مصر وضاق الحال بجميل فسافر إلى اليمن لأخواله ثم عاد إلى مرابع الأهل في وادى القرى لاحقاً دون أن ينسى هواه فوجد أن بثينة قد غادرت مع أهلها إلى الشام فقرر أن يهاجر إلى مصر وبعد فترة غادر مصر إلى المدينة المنورة وظل يتذكر حبه القديم وهناك أنشد في أيامه الأخيرة قبل رحيله:
وما ذكرتك النفس يا بثين مرة
من الدهر إلا كادت النفس تتلف
وإلا علتني عبرة واستكانة
وفاض لها جار من الدمع يذرف
وقيل إن بثينة عرفت بالخبر ففجعت وأنشدت شعراً في رثاء الحبيب المكلوم وفي نهاية الأمر فإن القصة أخذت طابعاً أسطورياً وجمالياً أكثر من عمقها الحقيقي مثلها مثل كل قصص الحب عند العرب
أيضا من قصص الحب الشهيرة قصة كثير وعزة ونقول أن كثير بن عبد الرحمن الأسود الخزاعي من شعراء العصر الأموي عرف بعشقه لعزة بنت جميل الكنانية فقد والده في الصغر وعاش يتيماً ورباه عمه في مرابع الإبل وأبعده عن الناس حتى يصونه عن الطيش وقد اشتهر بهيامه بعزة حتى أنه كُني بها فصار يلقب بـكثير عزة ويذكر أنه أولع بها عندما أرشدته مرة إلى موضع ماء لسقاية الإبل في إحدى رحلاته بالمراعي وقد كانت صغيرة السن
أما مجنون ليلى فهو قيس بن الملوح عشق ليلى بنت مهدي بن ربيعة بن عامر (ليلى العامرية) وعاشا في البادية بنجد في العصر الأموي. رفض طلب زواجه حيث زوجت ليلى لرجل آخر أخذها بعيدا عن الديار إلى الطائف فبدأت القصة الملهمة التي دخلت التاريخ قصة مجنون ليلى التي فيها حب غير عادي
هام قيس في البلاد ووجد ميتاً بين الأحجار في الصحراء وحمل إلى أهله فكانت نهاية مأساوية للعاشق المجنون ووجدته ميتاً امرأة كانت تحضر له الطعام وقد خط قبل موته بيتين من الشعر تركهما وراءه هما:
تَوَسَّدَ أحجارَ المهامِهِ والقفرِ
وماتَ جريح القلبِ مندملَ الصدرِ
فياليت هذا الحِبَّ يعشقُ مرةً
فيعلمَ ما يلقى المُحِبُّ من الهجرِ
أما مجنون لبنى فهو قيس بن ذريح الليثي الكناني عاش في زمن خلفاء الرسول وقد أحب لبنى بنت الحباب الخزاعية وقد عشقها لأول مرة يوم أن زار مرابع بني حباب أهل لبنى فطلب سقي الماء فجاءت له بها فأغرم من وقتها وقد كانت مديدة القامة بهية الطلة وعذبة الكلام
أذكر أيضا أن ليلى الأخيلية كانت شاعرة مثل الخنساء وقد هام بها توبة بن الحمير وفي هذه القصة بخلاف قصص الحب الأخرى فإن البطولة للمرأة فهي التي ذاع صيت شعرها أكثر في حين كان الرجل هو الحبيب الذي يتغزل فيه حتى لو أنه كان شاعراً مثلها وقد عاشا في صدر الإسلام والعصر الأموي وعرفا بعشق متبادل لا شك فيه وقيل إن ليلى كانت باهرة الجمال وقوية الشخصية وفصيحة فيما كان توبة شجاعاً وفصيحاً هو الآخر وقد افتتن بها عندما رآها في إحدى الغزوات ورغم حبهما إلا أن والد ليلى حال دون زواجهما حتى إنه اشتكى إلى الخليفة من توبة فعاشا حباً عذرياً إلى أن قُتِل توبة وقيل إنه قتل في إحدى المعارك ويروى أنها ماتت بجوار قبره عندما كانت تزوره بشكل متكرر وذات مرة سقطت من على الهودج بجوار القبر فأخذتها المنية
نذكر أيضا جنان حبيبة أبونواس وهي تقريباً الوحيدة التي أخلص لها برغم أنه كان متقلب الهوى .. أيضا الشاعر أبو العتاهية جارية اسمها عتبة وأبو العتاهية من مواليد الحجاز وقد نشأ بالكوفة وسكن بغداد وقد دفعه حبه لعتبة أن يقول فيها الشعر لكنها لم تقابله بمثل ما يكنه لها حيث واجهته بالصد والهجران إلى أن كاد يفقد عقله فسمي بـأبو العتاهية وقد أوصله اليأس من هوى عتبة إلى الزهد فصار علامة في شعر الزهاد
أيضا من القصص الشائعة في العصر الأندلسي حيث عاش ابن زيدون حياة رغدة وكان أديبا وشاعرا وكان بمثابة وزير المعتضد بالله بن عباد في إشبيلية وفي المقابل فإن ولادة بنت المستكفي كان أبوها حاكما على قرطبة وقد قتل وقد كانت من الأديبات الشهيرات في زمانهن وقد التقت بالعديد من الأدباء والشعراء لكن لم يلق أحدهم طريقا إلى قلبها سوى ابن زيدون الذي بادلها الحب كذلك
عاش الاثنان حياة حب لفترة ومن ثم كان الجفاء والممانعة من قبل ولادة لكن بين الشد والجذب ولدت أقوى قصة حب في الأندلس دخلت التاريخ العربي
في الختام أذكر ابن رهيمة وزينب وقد عرف ابن رهيمة بأنه من شعراء الغزل العفيف وإن لم ينل الاهتمام الكافي به في التراث الأدبي وقد كانت محبوبته زينب بنت عكرمة بن عبد الرحمن وبعد أن شاع أمر عشقه فقد استعداه هشام بن عبد الملك فأمر بضربه 500 سوط وأن يباح دمه إن عاد لذكرها فهرب وقد انتهت حياته بغموض بعد هروبه من الخليفة والأغلب أنه مات هائما وهو يتذكرها رافضا الزواج ففي أغلب القصص أنهم يهيمون ثم يموتون