محمد علي محيي الدين
كان بهنام ناصر نعمان أبو الصوف واحداً من أولئك الرجال الذين لم يكتفوا بقراءة التاريخ، بل نزلوا إليه حفاة القلوب، منحنين على ترابه، يستنطقون صمته، ويحررون ذاكرته من ركام القرون. عالم آثار عراقي مسيحي، وطني الهوى والانتماء، وُلد في الموصل عام 1931، المدينة التي تعلّمه منذ طفولته كيف يكون الإنسان ابناً للحضارة لا وريثاً عابراً لها. هناك أكمل دراسته الأولى، ومنها حمل شغفه إلى بغداد، حيث تخرج في كلية الآداب – جامعة بغداد سنة 1955 حاصلاً على البكالوريوس في الآثار والحضارة، ليبدأ بعدها رحلة علمية طويلة نحو أعماق التاريخ الإنساني.

في كمبردج، الجامعة العريقة التي صقلت عقول كبار العلماء، نال الدكتوراه في خريف عام 1966 في الآثار ونواة الحضارة وعلم الإنسان. لم تكن شهادته وثيقة أكاديمية فحسب، بل كانت عهداً أخلاقياً قطعه على نفسه بأن يعود إلى العراق ليضع علمه في خدمة أرضه وتاريخها. عاد، وعاد معه الإصرار على أن يكون علم الآثار فعلاً وطنياً بامتياز، لا مجرد نشاط أكاديمي أو مهنة بحثية.
سنوات طويلة قضاها أبو الصوف بين المواقع الأثرية في وسط العراق وشماله، متنقلاً بين التلال، حاملاً أدواته، وشيئاً من صبر الأنبياء. أشرف على تنقيبات إنقاذية كبرى في حوضي سدي حمرين في ديالى، وفي أسكي الموصل على نهر دجلة، في أواخر السبعينات وحتى منتصف الثمانينات، حين كان سباق الزمن مع المياه والسدود سباقاً لإنقاذ الذاكرة من الغرق. وهناك، في أواسط الستينات، كشف عن حضارة جديدة تعود إلى مطلع العصر الحجري الحديث في وسط العراق، اكتشافٌ ألقى ضوءاً جديداً على البدايات الأولى للاستقرار البشري والزراعة ونشوء المجتمعات الأولى، وأسهم في إعادة رسم صورة الإنسان العراقي القديم بوصفه صانع الحضارة لا تابعاً لها.
لم يكن أبو الصوف عالم ميدان فحسب، بل كان معلماً ورسول معرفة. درّس في جامعات العراق والعالم العربي، وألقى محاضرات في جذور الحضارة والآثار والتاريخ في أكثر من مؤسسة أكاديمية، وفي معهد التاريخ العربي للدراسات العليا. أشرف على عشرات الرسائل الجامعية، وناقش العديد من أطاريح الماجستير والدكتوراه، وشارك في مؤتمرات علمية داخل العراق وخارجه، وكان مثالاً للأستاذ الذي يمتلك مادته، ويمنحها لتلاميذه بروح الأب لا بصرامة الموظف.
وحين يُسأل عن أساتذته، كان يذكر بكل وفاء واحترام طه باقر وفؤاد سَفَر، رائدي علم الآثار العراقي الحديث. كان يرى فيهما النموذج الذي ينبغي أن يُحتذى: العالم الموسوعي، والوطني النزيه، والباحث الذي لا يخضع التاريخ لأهواء السياسة. ومن هذا الإرث انتمى أبو الصوف إلى الرعيل الثاني من الآثاريين العراقيين، مع أسماء لامعة مثل مؤيد سعيد دميرجي، وطارق مظلوم، وفوزي رشيد، وسامي سعيد الأحمد، وفيصل الوائلي، ووليد الجادر، وعيسى سلمان، وفاضل عبد الواحد، وعامر سليمان، ودوني جورج، ذلك الذي أعاد الحياة إلى المتحف العراقي بعد أن دنسته الفوضى عقب الاحتلال.
كان أبو الصوف صاحب موقف فكري واضح وشجاع، حين أكد عراقية السومريين، رافضاً النظريات التي حاولت إرجاعهم إلى أصول بعيدة في الأناضول أو الهند أو المجر أو التبت، وهي أطروحات رأى فيها توظيفاً سياسياً ضيق الأفق، ومحاولة للنيل من سكان جنوب العراق وتاريخهم، خاصة بعد أحداث عام 1991. بالنسبة له، لم يكن التاريخ مادة طيّعة لإعادة الكتابة وفق أهواء السلطة أو نزوات الأيديولوجيا، بل هو حقيقة استقرت في ضمير العلم والزمن، لا يجوز العبث بها. وخالف في هذا بعض آراء أستاذه ماكس مالوان، الذي اعترف بدوره بأحقية تلميذه وعمق أطروحته.
ومن هذا المنطلق، لم يكن أبو الصوف يرى نفسه منتمياً إلى هوية جزئية أو تصنيف ديني أو قومي ضيق، رغم اعتزازه بجذوره المسيحية الكلدانية السريانية الآشورية، بل كان يؤمن أن الهوية العراقية الجامعة هي الأبهى والأزكى والأجمل، وأن الانتماءات الصغيرة لا تكتسب معناها إلا في ظل الوطن الكبير. فإذا كان قد دافع عن عراقية السومريين، فمن الأولى أن نؤكد عراقية بهنام أبو الصوف نفسه، لا أن نجزئه بين الهويات، أو نصادره لصالح تسميات لا تليق بسعة روحه.
ترك أبو الصوف مؤلفات مهمة تشكل ركائز في المكتبة الآثارية العراقية، أبرزها كتابه الشهير “رحلتي مع آثار العراق”، وهو سيرة علمية وإنسانية تختلط فيها التجربة الشخصية بتاريخ التنقيب، وكتاب “قراءات في الآثار والحضارات القديمة” الذي قدّم فيه دراسات معمقة عن حضارات وادي الرافدين ونشأة العمل الآثاري. وله دراسات ومقالات متخصصة عن المدن البابلية، والطرق في العراق القديم، وتحقيقات في مصادر البلدانيات، وبحوث مقارنة بين السريانية والعربية، فضلاً عن سيرة ذاتية كتبها عنه حميد المطبعي، تكشف الجوانب الإنسانية والعلمية لشخصيته.
في التاسع عشر من أيلول عام 2012، أعلن في عمّان رحيله إثر أزمة قلبية، عن عمر ناهز الثمانين عاماً. رحل بعيداً عن العراق الذي أفنى عمره في خدمة ترابه وتاريخه، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من كبار العراقيين الذين ماتوا في المنافي، مثل الجواهري، ومصطفى جمال الدين، وبلند الحيدري، وعبد العزيز الدوري، وسركون بولص، وجان دمو، وعبد الستار ناصر، ويوسف عز الدين، وغيرهم. وكأن قدر العراق أن يودّع أبناءه الكبار خارج حدوده، ليبقى الوطن محمّلاً بذكراهم، مثقلاً بالغياب، غنياً بالرموز.
أكل الغياب من عمر بهنام أبو الصوف كما أكل من أعمار كثيرين غيره، لكنه لم يأكل من حضوره في الذاكرة. بقي اسمه مرتبطاً بالعراق الأول، العراق الذي شقّ طريق الحضارة قبل آلاف السنين، وبالعراق المعاصر الذي أنجب علماء نذروا حياتهم لحراسة تلك الذاكرة. كان أبو الصوف، بحق، راهباً من رهبان التاريخ، وحارساً من حرّاس الحضارة، ورجلاً أثبت أن الانتماء الحقيقي لا يُكتب في الهويات، بل يُحفر في التراب، ويُسجَّل في ضمير الزمن.