صلاح فائق رجل هادئ في الحياة والشعر

عبدالله طاهر البرزنجي

صلاح فائق هو أحد شعراء جماعة ادبية نشأت في ستينيات القرن الماضي في مدينة كركوك أطلق عليها النقد العراقي فيما بعد جماعة كركوك لأنها ظهرت في مدينة كركوك رغم أن بعضهم لم يكن من أهل تلك المدينة. جمعهم الأدب والشعر وفن السرد. لقد جاءوا من أرومات ومصادر متنوعة، لكنهم استطاعوا أن يشكلوا أجواء أدبية مختلفة وفضاءات راقية. ورغم أن بعض الكتاب العنصريين حاولوا الحد من قدراتهم وعطاءاتهم التجديدية، على أساس أنهم جاءوا من منابع ومصادر ثقافية أخرى غير المصدر العربي الأصلي، بَيد أنهم أصبحوا مشهورين في نهاية المطاف ولعبوا دوراً في تحديث الأدب العراقي بكافة أجناسه.

كانوا ثلة من اصدقاء الأدب ، لم يكونوا ميالين الى التعصب العرقي أو التطرف الإيديولوجي، على الرغم من انتمائاتهم المتنوعة و وجهات نظرهم المختلفة، وكان العديد منهم ينتمي إلى اليسار التقدمي المتمرد.

كان صلاح فائق من أبرز الشخصيات النشطة في المجموعة ، وهو من أهالي كركوك. أتذكر انني قرأت مقالاً، إن لم تخني الذاكرة كتبه الشاعر والروائي فاضل العزاوي عن المجموعة، يذكر فيه ما كان يدور في اجتماعاتهم وجلساتهم الأدبية، يصف فيه الشاعرَ صلاح فائق بأنه الأكثر هدوءاً بينهم، ويبدو أن هذا الهدوء منعكس على نحو ما في نصوصه الشعرية ورؤاه ولغته الشعرية.

لقد لفت انتباهي في مجموعته الشعرية (مقاطعات وأحلام)، سعيه للاختلاف عن أسلوب مجموعته، أو إلى حد ما، محاولاته المبكرة للابتعاد عن الخطوط الشعرية السائدة في الشعر العراقي في ذلك الزمن.
في هذه القصائد المترجمة يمتلك صلاح فائق خيالا خصبا واسعا لاتؤطره حدود وينظم في تلك الفضاءات مشاهد مختلفة و عوالم شعرية غير مألوفة، فيلجأ إلى الكولاج لخلق الانسجام بينها.

في التجربة العامة لصلاح نراه يستعين بالكولاج والمونتاج لجمع الأضداد والمفارقات وإزالة البعد بين الأشياء المتنافرة لتحقيق الأنسجام والتناغم في قالب سُريالي لكنها سُريالية غير غامضة ، لا تأبى استمالة القارئ اليها. اضافة الى ذلك يتصيد الأحلام في قوالب شعرية ذات جمل مستعينة بالنثر تصدم القارئ وتذهله.

لاريب ان الشاعر السُريالي يقودنا الى متاهات مستغلقة في بعض الأحيان وكأننا نجد أنفسنا أمام أحلام ليلية مبهمة يتعسر علينا تفسيرها، يصعب علينا فك صورها وألغازها، لكننا لانواجه اشكاليات قرائية في قصائد صلاح فائق لأن الصور تتدفق مثل الماء تماماً.

في هذه المجموعة الشعرية التي ترجمها صديقي الشاعر دلاوَر قرداغي، يصبح الضمير “أنا” نقطة تعبير قوية، لكنه ليس لذات معزولة، ولايجذبنا إلى الأشياء الشخصية فقط.
ومن الأشياء الجميلة التي قدمها الأخ المترجم دلاوَر، بالإضافة إلى لغته الجميلة التي تحافظ على الطابع الشعري السردي لنصوص صلاح، هو التعريف بالترجمة الموازية، التي تقدم النص بلغتين متقابلتين (العربية والكردية).

في السنوات الأخيرة، حظيت هذه الترجمات أيضاً بالاهتمام باللغتين العربية والفارسية. على سبيل المثال، تمت ترجمة العديد من قصائد فروغ، و أحمد شاملو، و رائد الشعر الفارسي نيما يوشيج، وبدر شاكر السياب، ومحمود درويش إلى الفرنسية أو الإنجليزية مع النصوص الأصلية. أما بالنسبة الى الكرد والثقافة الكُردية، ، فنادراً ما نرى مثل هذه الترجمات رغم تطور صناعة الكتاب ، وخاصة بالنسبة لبعض الروايات العالمية.

أود أن أشكر صديقي العزيز دلاوَر قرداغي على هذا العمل الجميل والترجمة الرائعة.

فلنقرأ باللغة الكردية، اللحظات الشعرية السامية التي اصطادها الشاعر صلاح فائق في نصوصه، لنتمكن من تلقي لون آخر من عالم الشعر المتنوع.

عبدالله طاهر البرزنجي السليمانية

* كتبتُ هذه المقدمة باللغة الكردية (اصلاً ) لقصائد الشاعر صلاح فائق التي ترجمها الشاعر المبدع دلاور قرداغي الى اللغة الكردية.

قد يعجبك ايضا