ثقافة الاحتواء لها لسان ، لا يُدرك أبجديته إلا إنسان

الصحفي حيدر فليح الشمري

الاحتواء ليس فعلاً إضافيًا في حياة الإنسان ، بل هو جوهر الوجود نفسه ، فالكائن البشري منذ لحظة خروجه إلى هذا العالم لا يطلب المعرفة أولاً ، ولا القوة ، ولا حتى العدالة ، بل يطلب أن يُحتوى ، أن يشعر بأن هناك مساحة آمنة يتكئ عليها قبل أن يتعلم الوقوف ، ومن هنا تبدأ فلسفة الاحتواء :
من السؤال البسيط العميق ، هل أشعر أنني مقبول كما أنا ، أم مشروط بما أكون ؟
ثقافة الاحتواء لها لسان لكنه لا يتكوّن من حروف ، هو لسانٌ سابقٌ على اللغة ، تُدركه الفطرة قبل العقل ، وتفهمه الروح قبل المنطق ، لذلك لا يُجيده كل من يتكلم ، ولا يقرؤه كل من تعلّم ، إنّه لسان الإنسان حين يكون إنسانًا ، لا قاضيًا ، ولا واعظًا ، ولا صاحب سلطة خفيّة ، فالاحتواء في جوهره الفلسفي هو اعتراف صامت بكرامة الآخر ، دون محاولة إعادة تشكيله على صورتنا .
الاحتواء المثالي ليس حالة مثالية خيالية ، بل ممارسة شاقة تتطلّب وعيًا عميقًا بالذات أولاً ، لأن من لم يتصالح مع هشاشته ، لن يحتمل هشاشة الآخرين ، ومن لم يعترف بتناقضاته ، سيسارع إلى إدانة تناقض غيره ، هنا يتحوّل الاحتواء إلى امتحان أخلاقي :
هل أستطيع أن أكون حاضرًا دون أن أمتلك ؟
أن أساند دون أن أُلغِي ؟
أن أُصغي دون أن أستعدّ للرد ؟
في الأسرة الاحتواء ليس تدليلًا ولا ضعفًا ، بل بناء داخلي طويل الأمد ، الطفل الذي يُحتوى لا يصبح تابعًا ، بل يصبح آمنًا ، والآمن وحده قادر على الاستقلال ، أما غياب الاحتواء ، فيخلق أفرادًا يطلبون الاعتراف طوال حياتهم ، ويتحولون لاحقًا إلى مشروع صراع مع المجتمع أو مع الذات ، الأسرة التي تفهم الاحتواء لا تُخرّج أفرادًا مثاليين ، بل بشرًا متوازنين .
وفي المجتمع الاحتواء هو البنية التحتية غير المرئية للاستقرار ، القوانين وحدها لا تصنع السلام ، ولا الشعارات ، السلام الحقيقي يبدأ حين يشعر الفرد أنه غير فائض عن الحاجة ، وغير مُستبعَد بسبب ضعفه أو اختلافه ، المجتمعات التي تفشل في الاحتواء ، تُنتج العنف بأشكاله كافة ، حتى وإن غلّفته بالتحضّر ، فالإقصاء هو الوجه الآخر للانفجار المؤجل .
أما في العمل فالاحتواء هو الفارق بين المؤسسة كجسدٍ حي ، والمؤسسة كآلة ، الإنسان الذي يُحتوى يُبدع لأنه لا يعمل تحت سيف الخوف ، بل في ظل الثقة ، والخطأ حين يُحتوى يتحوّل إلى معرفة ، أما حين يُقمع فيتحوّل إلى كذب وصمت وتآكل داخلي ، ثقافة الاحتواء هنا ليست رفاهًا إداريًا ، بل استثمارًا أخلاقيًا في الإنسان .
وفي البعد الصحي والنفسي ، يصبح الاحتواء مسألة حياة ، لأن الجسد قد يُعالَج ، لكن الروح إن لم تُحتوَ ، ستظل تنزف بصمت ، المريض لا يحتاج فقط إلى علاج ، بل إلى شعور بأنه ليس عبئًا ، والمضطرب نفسيًا لا يحتاج إلى تصنيف ، بل إلى من يقول له :
أنت مفهوم ، حتى في فوضاك حتى تتم معالجتك .
الاحتواء ضرورة إنسانية لا لأن العالم قاسٍ فقط ، بل لأن الإنسان هشّ بطبيعته ، ومن يفهم هذه الحقيقة ، يدرك أن الاحتواء ليس تنازلًا ، بل أرقى أشكال القوة ، قوة أن تبقى إنسانًا ، في زمنٍ يعلّمك كيف تكون شيئًا آخر .

قد يعجبك ايضا