اذا لم أكتب فالمصيبة عظيمة..اذا كتبت فالمصيبة أعظم
منى نوال حلمي
“الاثم”، الذي أزهو بارتكابه … أننى لا أجرؤ على لمس القلم، أو الاقتراب من جسد الصفحة البيضاء، إلا اذا أحسست، أن كل كلمة، هى امتداد لـ”مزاجي”، وحالتي النفسية، والعاطفية، والجسمية.
لا أؤمن بكلمة، ليست تنتمي الى أوجاع، وأحزان، وأفراح، و أحلام”ذاتي“. لا أكتب حرفا، لا يحمل فصيلة دمي، ولا يشكل لونا، أو خطا، أو ظلا، في لوحة وجهي.
لا أكتب، لأثبت التزامي نحو”القضايا الجماهيرية”.. لا أكتب، الشهرة، أو تلقي المديح، ولا أكتب من أجل الفلوس، فالكتابة فى بلادى، لا توفر ثمن الثلاث وجبات اليومية، الضرورية للبقاء على ذمة الحياة. لا أكتب لكي، تأتينى الدعوات، لقراءة قصائدي، أو التحدث في الندوات، والمهرجانات، أو لترشيح نفسي في اتحاد الُكتاب، أو لأكون في جمعية تلصق أسمي، في قائمة الكاتبات والشاعرات، أو لأكون عضوة فى مجلس أمناء، أو مجلس شعب، أو مجلس أباء وأمهات، أو مجلس نواب. لا أكتب، لأحصل على ترشيحات الشِلل الأدبية، والنقدية، للجوائز، المحلية، أو العالمية. ولا أكتب، لتتصدر مقولات حكمتى وعصارة تجاربى، صفحات الجرائد والمجلات، مع صورتى بشَعر مصبوغ، وماكياج صارخ، وخداع حقن البوتوكس.
لا أكتب، لأدخل التاريخ. فأنا، لا يهمني التاريخ، ولا الجغرافيا، ولا الأحياء، ولا الأموات.
ولا أكتب لإصلاح الكون، وحال الدنيا المايل.. أو لأحرر النساء والرجال والأطفال.
لا أكتب لكشف الفساد، أو فضح الاستثمار في الأديان، وأجساد البشر. لا أكتب، لتعرية ارهاب الدولة الدينية … وارهاب الفن المتدنى … وارهاب الأخلاق غير الأخلاقية.
ولا أكتب لأوصف بالجرأة، وإضاءة دروب الوعي، ونقل المجتمع، الى التنوير، والتحريض على اشتهاء الحرية والعدل. ولا أكتب، لأصبح ضيفة مستهلكة، في تلفزيونات الأرض، أوفضائيات السماء.
لا أكتب، لأقتل الوقت المسجون فى انتظار لقاح فيروس، أو وباء، أو لكى يطغى غناء الكلمات، على شراسة وتنمر الميكرفونات.
لست أكتب، لأعوض تجاهل الاعلام للكاتبات، والشاعرات، بينما يلهث كل يوم، ليل نهار، وراء الممثلات والراقصات والمذيعات.
ولست أكتب، لأنسى أن عقلى، وعواطفى، وأحلامى فىتناقض جوهرى، مع قوانين الكون، وقوانين الحياة، وقوانين العالم، وقوانين التطور، وقوانين الجسد، وقوانين الزمن، وقوانين الأحوال الشخصية.
ولا أفكر فى الكتابة، لتكون شاهدة على قبرى،”هنا ترقد كاتبة وشاعرة ولدت فى القرن العشرين ورحلت فى القرن الحادى والعشرين“.
بكل بساطة، أكتب عشان”أنبسط“.
أكتب، عشان”أستلذ“، و”استمتع”، و”أزهو”بنفسى،
و”أتمزج”على الآخر، و”أنتشى حتى الثمالة”، من مداعبات الحروف، ومشاغبة
اللغة، ورحيق الكلمات.
اننى عاجزة حتى الشلل، عن افتعال لذة الكتابة، واستحضار نشوة هذا العناق، وتمثيل دور المستمتعة، المتمزجة، بفعل الكتابة.
مثلما هناك نساء، يفتعلن الشعور باللذة الجنسية، وتمثيل دور المرأة الملتزمة، بالأنوثة الموروثة، والوفاء الشرعى. توجد أيضا النساء الكاتبات، اللائي يفتعلن لذة الكتابة، ويمثلن دور الكتابة الملتزمة، بالمواعظ الذكورية للنقاد، وبإرضاء المهيمنين على فرض الوصايا على ابداعات النساء، و”تلميع”أو”اطفاء“، امرأة تمسك بالقلم.
ممارسة الكتابة، مثل ممارسة الحب. تفترض مسبقا، العاطفة الجياشة.. والحرية.. والدهشة.. والحنين، والغموض، والتركيز، والهدوء، والخيال، والانفتاح على طاقات وأسرار، والوصول عبر الجمال، الى محطة جديدة ساحرة، من اكتشافنا لذواتنا، وللآخر، وللكون.
“القلم”، رجل لا أقربه، ولا ألمسه، الا حينما أشتهيه الى حد النزف.
لكن حديث الذات، في مجتمعاتنا، حديث منبوذ، مكروه، يوصف بالسطحية، والمحدودية، وخيانة الأمانة، والتربع في برج عاجي، منعزل، عن”هموم الأغلبية الساحقة“.
ان الذات،”تاريخ“، و”حضارة”، و”مخزون”ثقافيمتراكم، و”توليفة”أفكار، و”كوكتيل”من الواقع والحلم، وجميع تنويعات المشاعر، والعواطف، وخلطة من الأمزجة.
من هنا، تصبح”الذاتية“، جسرا للعبور، الى الآخرين، لأنها بالتحديد، لم”تنكر”نفسها، ولم تقلد أحدا.
يقول كتاب”الأوبانيشاد”الهندي، أقدم كتب الحكمة:”لاتنكر ذاتك فهي الأجنحة التي بها تطير”. ويقول أيضا:”ابحث في الداخل.. فالكون كله موجود في قلبك“.
هذا هو بيت الداء. الناس، ينظرون الى الخارج.. لا أحد”يحدق”في الداخل، وينصت إليه، ويسترشد بحكمته. ولذلك، تكرر البشرية حماقاتها، ويعيد البشر خطاياهم.
“لا تنكر ذاتك فهي الأجنحة التي بها تطير“.
أعتقد أن هذا هو التفسير، لماذا على الأخص، في مجتمعاتنا، فقدنا القدرة، أو”الرغبة”في الطيران، والتحليق. لماذا استسلمنا لإدمان الخطوات الكسيحة، والمشى الخامل، والوقوف اليائس.
“لا تنكر ذاتك فهي الأجنحة التي بها تطير”. هذه الحكمة الهندية، المنسية، تذكرني، كيف يغسل الناس”كل يوم”، وجوههم، ولا يغسلون”مرة واحدة”، قلوبهم.
بكل بساطة، أكتب، لأفرح، فى عالم يسرق الفرح الحقيقى، ويعتم على الموهبة الحقيقية، ويضعف الذات المتشبثة بذاتها.