أنهِدوانا
صوت خرج من طين الرافدين ليخلد الروح..
في فجر التاريخ، حين كانت الكلمات تنقش على ألواح الطين وتترك لتصارع النسيان، أرتفع صوت امرأة لم يكن كغيره من الأصوات، صوت لم يُكتب ليُتلى فحسب بل ليبقى.
تلك المرأة هي أنهِدوانا، أول شاعرة معروفة في تاريخ البشرية، وأول من وقع نصوص باسمها، تحدت صمت العصور وظلام السلطة.
ولدت أنهِدوانا في حوالي 2285 ق.م ، ابنة للملك الأكدي العظيم سرجون الأكدي، مؤسس أول إمبراطورية موحدة في بلاد الرافدين. غير أن نسبها الملكي لم يكن أعظم ما ميزها فقد صنعت مجدها بنفسها صنعته بالكلمة، وجعلت من الشعر جسراً بين الإنسان والآلهة، وبين السياسة والقداسة.
حملت أنهِدوانا لقب الكاهنة العظمى للإله نانا (سين)، إله القمر في مدينة أور، وكان لهذا المنصب أكثر من دور ديني لقد كان موقعاً سياسياً حساساً، تدار من خلاله توازنات السلطة بين المدن السومرية والامبراطورية الأكدية. وفي هذا الموضع المعلق بين السماء والأرض، كتبت أنهِدوانا نصوصها، فكانت الكلمة لديها طقساً والصلاة قصيدة والقصيدة موقف.
ومن أشهر أعمالها أناشيدها المكرسة للإلهة إنانا، سيدة الحب والحرب والخصب، تلك الإلهة المتقلبة كالعاصفة.
في قصائدها، لا تظهر إنانا رمزاً بعيداً، بل قوة كاسحة و مهيبة، قادرة على الخلق والدمار معاً. وهنا تكمن فرادة أنهِدوانا في الكتابة ، ومن داخل التجربة الإنسانية بكل ما فيها من خوف، وانكسار، ورجاء.
في إحدى أكثر لحظاتها الإنسانية صدقاً، تروي أنهِدوانا كيف نُفيت من معبدها إثر اضطرابات سياسية، وكيف وجدت نفسها مجردة من منصبها، مطرودة من قدسها. هناك لا نقرأ صوت كاهنة فحسب، بل صوت امرأة مكسورة، تناجي الهتها وتستعيد ذاتها بالكلمات.
تقول، في ما نُقل من معاني شعرها، إنها سكبت دموعها الجميلة أمام إنانا، وكأن دموعها و اللغة نفسها أصبحت قرباناً. وقد ساهمت نصوصها في توحيد التقاليد السومرية والاكدية، ومنحت الإمبراطورية الناشئة سردية روحية جديدة. وهذا يدل على عبقريتها ، إذ جعلت من الشعر أداة توحيد، ومن الأدب فعل سياسي ناعم ، سابق لعصره بآلاف السنين.
الذي يدهش في إرث أنهِدوانا ، حداثته رغم قدمه ، فصوت الأنا واضح في كتاباتها و اعترافها بذاتها جريء وحضورها كامرأة كاتبة في عالم يهيمن عليه الذكور يعد ثورة صامتة.
لقد كتبت: ” أَنا أنهِدوانا ”
وكأنها كانت تدرك أن الاسم هو أول أشكال الخلود.
واليوم بعد أكثر من أربعة آلاف عام، لا تزال ألواح الطين التي حملت كلماتها تشهد أن الأدب لم يولد في القصور وحدها، بل في المعابد، وفي قلوب النساء اللواتي يتجرأن على الكلام. كانت أنهِدوانا أكثر من شاعرة كانت ذاكرة مبكرة ، وصوتاً أول للمرأة الكاتبة، وأثراً لا تمحوه العصور..