كتبه: شَمال آكريي
“انعتاق”
في عقلي
وبهدوء
يجرّ الطريقُ
عربةَ الأحلامِ الميتة.
وكلّما ارتدى الشرودُ
قمصانَ الذكريات
تفتحُ المسافةُ
صدرَها للمدى.
في عقلي
تجلسُ الخساراتُ
على مصاطبَ بعيدة
ترتشفُ كؤوسَ الحيرة
وتراقبُ أمواجَ الانتظارات
بعيونٍ ثملة.
في هذا العقل
ترتجفُ النجومُ الخافتةُ
التي ما زالت تعتنقُ الومض
منذ آخر شتاء
وتختبئ النياشينُ
كطفلٍ
خلف الفراغ.
يخفتُ الصوتُ
عند المحطّةِ الأخيرة
يغفو على أشلاءِ الأسماء
ويرتمي في أحضانِ السراب
كأغنيةٍ عتيقة
تناثرت موسيقاها
في خريفِ النسيان.
عبدالكريم الكيلاني
البحث النقدي البلاغي
تمثّل قصيدة “انعتاق” فضاء داخليا يُعاد تشكيله بلغة تعتمد على طاقة المجاز أكثر من اعتمادها على التركيب النحوي التقليدي. فالشاعر يدخل العالم من بوابة العقل، لكنه يُحوّل هذا العقل من وظيفة معرفية إلى مسرح تتصارع فيه الخسارات، الذكريات، الحيرة، الانتظار، النجوم الخافتة، الصوت الذاوي، والسراب.
إنّ بنية القصيدة كلّها قائمة على التشخيص Personification بوصفه محركا للمعنى، وعلى تحويل المجرّدات إلى كيانات حية تمتلك هيئة وصوتا وحركة، وهي سمة بلاغية أصيلة في تجربة عبدالكريم الكيلاني.

منذ السطر الأول:
في عقلي
وبهدوء
يجرّ الطريقُ
عربةَ الأحلامِ الميتة.
نلمس انقلابا بلاغيا مألوفا في شعر الكيلاني: تحويل الكيان الثابت إلى فاعلٍ حيّ. فالطريق—وهو مفهوم جامد فيزيائي—يتحوّل إلى قوة فاعلة “يجرّ”، بينما الأحلام تُنزل إلى مرتبة الأشياء المحمولة. هذه الإزاحة البلاغية تُربك المنطق وتمنح القارئ صدمة جمالية، إذ يصبح “الطريق” هو الذي يتحكم، بينما الحلم تابعٌ، يتنقّل محمولا، ميتا، بلا إرادة.
وهو خيار بلاغي يكشف إحدى هواجس الشاعر: هيمنة الخارج على الداخل، وهيمنة القدر على الإرادة.
ويواصل الشاعر تشكيل العالم الداخلي عبر صور ذات بُنى مركّبة، تقوم على تَجاوُر عناصر لا تنتمي إلى بعضها في الواقع، لكنها تنسجم في المخيال:
وكلّما ارتدى الشرودُ
قمصانَ الذكريات
تفتحُ المسافةُ
صدرَها للمدى.
هنا تتداخل ثلاثة مستويات بلاغية:
تشخيص الشرود (يرتدي)
مجازية الذكريات (قمصان)
تجسيد المسافة (تفتح صدرها)
إنّ “ارتداء الشرود قمصان الذكريات” صورة نادرة في الشعر العربي الحديث، لأنها تعكس حركة ذهنية مصاغة بآلية حسية. الشرود لا يمكن أن يرتدي، لكن الشاعر يُدخله في آلية لبس، ما يجعل الذاكرة نفسها ثوبا يعيد إنتاج الشرود ويعيد تشكيله.
ثم تتّسع الصورة لتصبح المسافة كائنا يفتح صدره، ما يعطي القصيدة نبرة كونية، حيث تتحوّل الطبيعة إلى شريك في التجربة الداخلية.
وعندما يقول:
في عقلي
تجلسُ الخساراتُ
على مصاطبَ بعيدة
ترتشفُ كؤوسَ الحيرة
وتراقبُ أمواجَ الانتظارات
بعيونٍ ثملة.
تبلغ البلاغة ذروتها في اشتغال نظام الصورة على التراكم.
فالخسارات تجلس، تشرب، تراقب، وتملك عيونا، بل عيونا “ثملة”. هنا، لا نواجه صورة واحدة، بل منظومة صور تُنشئ درَامية داخلية تعبّر عن مرحلة عمرية يقترب فيها الشاعر من الخريف الوجودي، حيث يصبح العقل ساحة للندم والتأمل والذبول.
إنّ “كؤوس الحيرة” من أجمل صور القصيدة، لأنها صورة تمتلك طاقة دلالية مزدوجة: فهي تجمع بين (الشراب) و(الحيرة)، وبين (اللذة) و(القلق)، لتنتج قلقا لذيذا أو لذة مشدودة بالقلق.
ويبلغ التصوير الكوني ذروة أخرى حين يقول:
في هذا العقل
ترتجفُ النجومُ الخافتةُ
التي ما زالت تعتنقُ الومض
منذ آخر شتاء
وتختبئ النياشينُ
كطفلٍ
خلف الفراغ.
هنا تتراكم صور الضوء المهدّد بالانطفاء: نجوم خافتة ترتجف، تعتنق الومض الأخير، منذ شتاء مضى، كأنها تُصارع الفناء.
فالشتاء رمز الزمن الصعب، والعمر الذي تجاوز نقطة الدفء.
أما الصورة الفريدة:
تختبئ النياشينُ
كطفلٍ
خلف الفراغ.
فهي من الصور التي تحمل بصمة الشاعر:
الجمع بين (النياشين)—رمز القوة والجدارة—و(الطفل)—رمز الضعف—و(الفراغ)—رمز العدم—يخلق تناقضا بلاغيا عميقا.
فالإنجازات الكبرى تُصبح هنا خجولة، خائفة، بلا معنى، تختبئ لا خلف “شيء”، بل خلف العدم ذاته.
وهي صورة وجودية من الطراز الرفيع.
وفي المقطع الأخير:
يخفتُ الصوتُ
عند المحطّةِ الأخيرة
يغفو على أشلاءِ الأسماء
ويرتمي في أحضانِ السراب
كأغنيةٍ عتيقة
تناثرت موسيقاها
في خريفِ النسيان.
يتجلّى الخوف من الزمن، ومن مجيء الشتاء، ومن المحطة النهائية.
لقد صار الصوت—رمز الذات—يخفت، ثم يغفو على “أشلاء الأسماء”، أي على الذكريات المكسورة، والهُويات التي لم يعد الزمن يحفظها.
ثم يرتمي في حضن السراب، وهي صورة مأساوية في عمقها، تُجسّد عمرا أُنفِق في ملاحقة ما لم يكن يوما موجودا.
أمّا التشبيه بـ “أغنية عتيقة تناثرت موسيقاها” فهو تشبيه بلاغي بهي، يجمع بين الصوت والزمن والذاكرة والانطفاء.
الشاعر الكوردي الذي يكتب بامتياز بلغة الضاد
هنا يبرز جانب خاص من تجربة عبدالكريم الكيلاني:
فهو شاعر كوردي يكتب بالعربية كتابة لا تنتمي إلى مترجَم أو عابر، بل كتابة احترافية، طازجة، تمتلك حساسية مزدوجة.
العربية في نصه ليست لغة بديلة، بل لغة ثانية تتقاطع مع الأولى لتخلق نبرة لا تشبه إلّا نفسها.
فالخيال الكوردي—بجغرافيته الجبلية، وحزنه العميق، وبُعده الوجودي—يتسرّب من بين تراكيب عربية مشغولة بعناية، فيصبغ اللغة العربية بطاقة جديدة.
وهذا التداخل الثقافي اللغوي هو سرّ تجديده، وهو ما يمنح صوره تلك الفرادة والغرابة التي تُدهش القارئ، وتفتح اللغة العربية على طاقة تخييلية جديدة لا تأتي من داخلها فقط، بل من عيون شاعر يتحدث من حدود لغتين وروحين.
في الختام أقول إن قصيدة “انعتاق” مبنية على:
تشخيص مستمر يضخّ الحياة في المجرّد وصور مركّبة تنمو بالاستعارة المتتابعة ومجازات قائمة على قلب العلاقات بين الفاعل والمفعو . وكذلك انها مبنية على حمولة وجودية واسعة من خلال مفردات كـ(العقل، الحيرة، الخسارات، الأحلام الميتة، ذكريات الخريف، انتظار العمر، الخوف من الشتاء الأخير).
بهذا، تتحوّل القصيدة إلى مقطع بلاغي مكتمل، يندرج في شعر الرؤيا لا الوصف، وفي شعر الداخل لا الخارج، وفي شعر الاستعارة لا العبارة.
إنها قصيدة تكتب الإنسان عبر عقله، والزمن عبر حكاياه، والذاكرة عبر ما تبقّى منها، وهي في النهاية قصيدة تبحث عن انعتاق تعرف في أعماقها أنه لم يحن بعد.