السينما كانت تكتب الخبر بالصوت والصورة
مصطفى حسين الفيلي
قبل أن يصبح الخبر يطير عبر الهاتف، وقبل أن يتحوّل الحدث إلى إشعار على شاشة صغيرة، كانت هناك لحظة ذهبية في تاريخ السينما تولّت فيها الكاميرا دور الصحافي الأول. تلك المرحلة التي عرفت بـ الأفلام السينمائية الإخبارية أو الجرائد المصوّرة الشرائط القصيرة التي كانت تُعرض قبل الأفلام الطويلة في دور السينما، وتقدّم للناس مستجدات العالم كما لو أنها تُكتب بضوء الكاميرا.
كانت هذه الأفلام تجمع بين الوثائقي والدرامي لقطات حقيقية من الحروب، افتتاح مشاريع، زيارات رسمية، أحداث رياضية، كوارث، لحظات احتفالية كل ذلك كان يُقدّم بترتيب زمني وسردي مختصر، يرافقه تعليق صوتي جهوري يضفي هيبة على الصورة ويمنح الحدث إطارًا “رسميًا” يسبق الجريدة الورقية في الوصول إلى الجمهور.
ومع ذلك، لم تكن هذه الأفلام بريئة بالكامل. فقد أدّت دورًا سياسيًا في كثير من الأحيان، سواء عبر توجيه صورة الجمهور نحو وجهة معينة، أو عبر اختيار ما يجب أن يُعرض وما يجب أن يُخفى. وهذا ما جعلها، رغم قيمتها التوثيقية، جزءًا من “الخطاب الإعلامي” أكثر من كونها مرآة صافية للواقع.
ومع ظهور التلفزيون في خمسينيات القرن الماضي ثم الفضائيات، بدأت الأفلام الإخبارية تفقد جمهورها. لم يعد الناس ينتظرون أسبوعًا لرؤية ما حدث في العالم، ولم تعد دور السينما مكانًا للخبر. وهكذا، ذابت هذه الصناعة تدريجيًا رغم أنها لعبت دورًا مركزيًا في تشكيل الوعي البصري للأجيال الأولى.
اليوم، تعود أهميتها من بوابة مختلفة بوابة الأرشيف. فهذه الشرائط القصيرة أصبحت وثائق لا يمكن تعويضها، تحمل ملامح الأزمنة، وطرق الكلام، وسلوك السياسيين، ووجوه الناس العابرين. هي ليست مجرد “أخبار قديمة”، بل سجلّ بصري للقرن العشرين، ونوع سينمائي يستحق قراءة جديدة، خاصة في زمن نعيش فيه فيضًا من الفيديوهات اللحظية وسرعة تُفقد الحدث عمقه.
ربما حان الوقت لإعادة النظر في هذه “الجرائد المصوّرة” ليس بوصفها مادة أرشيفية فقط، بل كفنّ سردي مبكر أسّس لعلاقة الإنسان المعاصر بالصورة الإخبارية، وشارك في صياغة أولى قواعد المونتاج الصحافي، وتطوير الشكل الذي نراه اليوم في تقارير التلفزيون والفيديو الرقمي.
لقد رحلت الأفلام الإخبارية عن صالات السينما… لكنها لم تغادر التاريخ.