بين عدسة السينما و خشبة المسرح أداء الممثل بين الحقيقة والمبالغة

 

مصطفى حسين الفيلي

في عالم التمثيل، يلتقي المسرح والسينما في نقطة واحدة هي “التجسيد الصادق للشخصية”، لكن الطريق إلى هذه الصدق يختلف تمامًا بين الخشبة والعدسة.

 فالممثل في المسرح يعيش اللحظة كاملة أمام الجمهور، بينما في السينما يعيشها أمام الكاميرا التي تلتقط أدق الانفعالات وتحوّلها إلى حالة بصرية مختلفة.

على المسرح، يُطلَب من الممثل أن يكون أكبر من الحياة، أن يُسمع صوته للصف الأخير، وأن يرسم مشاعره بخطوط عريضة ليصل إحساسه لكل من في القاعة. فالمسرح يعتمد على التكبير في الأداء، في الصوت والحركة والانفعال. الممثل هنا لا يملك فرصة لإعادة المشهد، وما يقوله يحدث مرة واحدة أمام الجمهور، ولهذا يعتمد على طاقة فورية تنفجر في لحظة الصدق الحي.

أما في السينما، فالأمر عكسي تمامًا. العدسة لا تحتمل المبالغة، فهي ترى كل تفصيلة، حتى الارتعاشة الصغيرة في العين. التمثيل السينمائي يقوم على الصدق الداخلي المكثّف، على الهمس بدل الصراخ، وعلى النظرة التي قد تختصر مشهدًا كاملًا من الحوار. الممثل هنا لا يمثل أمام جمهور، بل أمام آلة باردة تترجم أحاسيسه إلى صورة خالدة.

 

كثير من الممثلين الذين يبدعون على المسرح يجدون صعوبة في ضبط أداءهم أمام الكاميرا، والعكس صحيح. فالتنقل بين العالمين يحتاج إلى وعي باللغة التعبيرية لكل وسط فني. في المسرح، الممثل هو القائد الكامل للمشهد، بينما في السينما يشاركه الإضاءة، والعدسة، والمونتاج، وزوايا التصوير في صنع الحالة.

في النهاية، يمكن القول إن المسرح مدرسة الانطلاق والتعبير الجسدي، بينما السينما مدرسة الصمت والعمق الداخلي. وكلاهما لا يقل أهمية عن الآخر، بل يشكلان جناحين لطائر واحد اسمه “التمثيل الصادق”.

قد يعجبك ايضا