العلاقة غير القابلة للتجزئة بين الانتخابات والرخاء والعدالة

 

 

إعداد ـ التآخي

هل يتواجد ربط بين تحقيق الديمقراطية والانتخابات ورفاه ورخاء الشعوب وتحقيق العدالة؟ نجد أن هناك ممارسات انتخابية معاصرة في بعض بلدان آسيا أو افريقيا، في الشرق الأوسط مثلا تمارس فيها الانتخابات، ولكن لا يحسن هذا من وضع الناس فيظل الفقر والبطالة والفساد وسوء الخدمات وغيرها من المشكلات من دون حل، فما فائدة الممارسة الانتخابية اذن؟

نظريا، يفترض أن الديمقراطية تؤدي إلى، محاسبة الحكام عبر الانتخابات والرقابة وتوزيع عادل للموارد عبر تمثيل شتى الفئات ومكافحة الفساد عبر الشفافية والمؤسسات المستقلة وتحسين الخدمات استجابة لمطالب السكان.

اذن لماذا تفشل الانتخابات الشكلية؟

في كثير من البلدان، نرى ما يسمى “الديمقراطية الزائفة” أو “الديمقراطية الليبرالية غير الليبرالية”، حيث،  الانتخابات شكل بلا مضمون،  انتخابات من دون منافسة حقيقية،  مؤسسات ديمقراطية (برلمان، أحزاب) لكنها تفتقر للاستقلالية.

في تلك “الديمقراطيات” ينتشر الفساد المؤسسي، و  تتحول الانتخابات إلى وسيلة لنهب الثروات،  وتبرز فيها تحالفات النخب التي تتفق على تقاسم الغنائم، وتضعف مؤسسات الدولة في ظل  بيروقراطية غير فاعلة و قضاء غير مستقل  وغياب سيادة القانون.

ولكن متى تكون الانتخابات مفيدة؟! تؤتي ثمارها عندما تكون جزءا من نظام حكم شامل يتضمن مؤسسات قوية و تكون مصحوبة بسيادة القانون واستقلال القضاء، وتتواجد مساحة حقيقية للمشاركة الشعبية الفاعلة فيها و تكون هناك رقابة ومحاسبة حقيقية للحكام.

أي ان الممارسات الانتخابية الشكلية من دون جوهر حقيقي قد لا تحقق الرفاه والعدالة. الفائدة الحقيقية تتحقق عندما تكون أداة لمشاركة المواطنين في صنع القرار ورقابة السلطة، وليست مجرد طقوس انتخابية.

 

تجارب ودول

 

هناك عديد الامثلة حول العالم تظهر كيف ساعدت الانتخابات والديمقراطية الحقيقية في بناء الدول وتحسين حياة السكان، ومثلت نماذج نجاح  ارتقت ببلدانها واسعدت شعوبها.

 

 

ففي دول شمال أوروبا (السويد، النرويج، الدنمارك)،  جرى تحول تدريجي من فقر إلى رفاه في غضون القرن العشرين، بظل مشاركة شعبية واسعة في صنع القرار،  وشفافية في إدارة الموارد الطبيعية،  ونظام ضريبي عادل يمول خدمات تعليم وصحة ممتازة.

ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت بناء مؤسسات ديمقراطية قوية بعد الديكتاتورية النازية، اذ جرى فيها تداول سلمي للسلطة بين أحزاب مختلفة، ونظم اقتصاد السوق الاجتماعي الذي يجمع بين الكفاءة والعدالة، حول البلاد من دولة مدمرة إلى قوة اقتصادية أوروبية.

كوريا الجنوبية، تحولت من ديكتاتورية عسكرية إلى ديمقراطية في ثمانينات القرن الماضي، وأجرت عملية مكافحة الفساد بشكل جذري، واستثمرت في التعليم والبحث العلمي، وشكل ذلك وغيره قفزة اقتصادية هائلة أصبحت فيها من الدول المتقدمة.

كوستاريكا، جرى فيها إلغاء الجيش عام 1949 بعد ان كان يأخذ جزءا كبيرا من ميزانية البلاد، وتحويل موازنته للتعليم والصحة، وجرى تثبيت استقرار ديمقراطي في منطقة مضطربة (أمريكا الوسطى)، ورسخت مؤشرات تنمية بشرية مرتفعة برغم محدودية الموارد.

بوتسوانا (إفريقيا)، انشأت ديمقراطية مستقرة منذ الاستقلال 1966، بإدارة كفء لثروات الماس، وتحقيق  نمو اقتصادي مستمر ومكافحة ناجحة للفساد،  وتداول سلمي للسلطة عبر انتخابات نزيهة.

هذه النماذج تشترك في جملة معايير أساسية لتلبية مطالب الناس وتحقيق الاستقرار والسعادة، اولا بمؤسسات قوية مستقلة (قضاء، هيئات رقابية) واحترام سيادة القانون وعدم تمكن الحكام من التحايل عليه، وانشاء مجتمع مدني نشط وحرية إعلام حقيقية، وبتطبيق ثقافة المساءلة والمحاسبة، وفي ظل رؤية تنموية طويلة المدى تتجاوز الدورات الانتخابية.

تلك النماذج الناجحة وغيرها، تظهر أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل هي، نظام متكامل للمساءلة و ثقافة سياسية تقبل التعددية وبمؤسسات تحمي الحقوق وتضمن العدالة.

ما يثير الاهتمام أن العديد من هذه الدول بدأت من ظروف صعبة (حروب، فقر، ديكتاتوريات) لكنها استطاعت البناء عبر التزام حقيقي بالديمقراطية التشاركية.

 

التجربة الالمانية

 

تجربة ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية هي قصة مذهلة للتحول من الدمار الشامل إلى دولة ديمقراطية مزدهرة.

الوضع الكارثي بعد الحرب العالمية الثانية (1945)، تمخض عن دمار شامل؛ اقتصاديا، انهارت البنية التحتية بالكامل، وفقدت العملة قيمتها، اجتماعيا، 7 ملايين قتيل، ملايين المشردين، مجتمع منقسم على نفسه،  نفسيا، شعور بالذنب والعار الجماعي بعد جرائم النازية،  سياسيا، احتلال أجنبي، عدم ثقة في أي نظام سياسي.

 

 

المراحل الأساسية لإعادة البناء في المانيا تمثلت في الإصلاح النقدي (1948)، بإدخال المارك الألماني الجديد بدعم من الحلفاء وإنهاء اقتصاد السوق السوداء وإعادة الثقة في العملة، و إطلاق اقتصاد السوق الاجتماعي بقيادة لودفيغ إيرهارد، وسن الدستور الجديد (1949)،  “القانون الأساسي” كدستور مؤقت (أصبح دائما لاحقا).

 كما وضعت ضمانات ضد الديكتاتورية، بفصل السلطات الحقيقي  وحماية حقوق الإنسان،  و حظر الأحزاب المعادية للديمقراطية،   وتطبيق اللامركزية في النظام الاتحادي.

تلا ذلك المعجزة الاقتصادية (1950)، بتحقيق نمو اقتصادي سنوي وصل إلى 8%، و انخفاض البطالة من 11% إلى 1.3% خلال عقد، و زيادة الأجور الحقيقية وتحسن مستوى المعيشة.

كيف ساعدت الانتخابات بتحقيق دولة الرفاه والقانون؟ جرى ذلك بالتداول السلمي للسلطة، و بتحالفات متغيرة بين الأحزاب ( تعاون بدل الصراع في القضايا الوطنية الكبرى،  استقرار سياسي برغم تغير الحكومات).

وانشأت المؤسسات المستقلة، المحكمة الدستورية الاتحادية – رقيب على الديمقراطية،  البنك المركزي المستقل – حافظ على استقرار العملة،  الإعلام الحر والمستقل – رقابة على السلطة.

وشملت  الثقافة السياسية الجديدة،  التعليم السياسي لإعادة بناء العقلية الديمقراطية،  وتبني ثقافة الاعتذار والمصالحة مع الماضي النازي،  والاندماج في أوروبا كخيار استراتيجي.

فكانت نتائج التحول اقتصاديا؟  أصبحت المانيا أكبر اقتصاد في أوروبا، تصنيع متقدم وابتكار تكنولوجي، عملة مستقرة وقوة شرائية عالية، اجتماعيا،  دولة الرفاه – تأمين صحي ومعاشات للجميع،  تعليم مجاني جودة عالية،  استقرار مجتمعي وتقليل الفوارق.

سياسيا: استقرار مؤسسي برغم الأزمات، دمقرطة كاملة للمجتمع، تحقيق انموذج راق للديمقراطية في العالم، وقد تعزز ذلك اكثر بعد الاحداث العاصفة في شرق أوروبا في نهاية الثمانينات و أوائل تسعينات القرن الماضي وانهيار جدار برلين وإعادة توحيد المانيا ثم اندماجها في الاتحاد الأوروبي بعملة جديدة هي اليورو.

 الدروس المستفادة؛ ان الديمقراطية بحاجة الى مؤسسات قوية أكثر من مجرد انتخابات واعتماد الاقتصاد الاجتماعي السوقي يجمع بين الكفاءة والعدالة، ومواجهة الماضي ضرورية لبناء مستقبل أفضل، وان الثقافة الديمقراطية تحتاج وقتا وتعليما.

التجربة الألمانية تثبت أن الديمقراطية الحقيقية – وليست الشكلية – يمكنها تحويل حتى أسوأ الظروف إلى نجاح مبهر، لكنها بحاجة الى إرادة سياسية حقيقية وبناء مؤسسي متين.

  ظلت العلاقة المعقدة بين الانتخابات والتنمية مثار بحث سواء على المستوى الأكاديمي أو مستوى المنظمات الدولية المتخصصة، ويحتدم النقاش ويتعقد البحث أكثر لاسيما عند تناول هذه العلاقة في إطار البلدان النامية؛ نظرا لأن مسار بناء الديمقراطية ومقدماته وعوامله وتحولاته على وفق الانموذج الغربي بخاصة في أوروبا، قد بُحث لمدة طويلة ومع ذلك فهو لا يزال يُبحث، وهذا هو ديدن المعرفة.

أما في البلدان النامية التي ما تزال تجربتها في التحول الديمقراطي حديثة العهد، ومن ثم فإن معطياتها التجريبية والنظرية المشتقة من هذا التحول لا زالت أيضا في طور البحث والاستنتاج ولو بمديات أقل، بل أن هناك بلدانا نامية أخرى ما تزال لم تشهد هذا التحول وتعيش في ظل نظم مستبدة، هذه البلدان هي أيضا موضع بحث في سياق هذه العلاقة بين التحول الديمقراطي والاستبداد والتنمية.

هناك مقاربة واسعة الانتشار تعد أن الديمقراطية هي ثمرة للتنمية الاجتماعية – الاقتصادية. ومن بحوث تجريبية لمجموعة مختلفة من البلدان خلصت إلى أن التنمية الاقتصادية تتضمن التصنيع والتحضر (ارتفاع نسبة سكان المدن) ومستويات عالية من التعليم وزيادة منتظمة في الثروة الإجمالية للمجتمع، وتكون هذه الشروط أساسية لديمقراطية مستدامة. وبرغم اتفاق هؤلاء المنظرين على ان الانتخابات تتطلب مسبقا مستوى معينا من التنمية الاقتصادية، ولكن لا يوجد اجماع واضح بشأن هذا المستوى ونمط التنمية الذي يخدم هذا الهدف، مع أنه يوجد اعتقاد واسع بأن الفقر يشكل عقبة أساسية أمام التنمية الاقتصادية والديمقراطية.

إنّ نظرة عابرة للعالم تظهر أن البلدان الفقيرة تميل لتكون ذات نظم مستبدة، فيما الدول الغنية تميل لتكون ذات نظم ديمقراطية، (تتواجد دول غنية لكنها ذات نظم مستبدة وهذا ينطبق على الدول ذات الاقتصاديات الريعية خصوصا) مع ملاحظة بأن الديمقراطية ترتبط بدون شك مع مستوى معين من التنمية الاقتصادية. ومع أخذ الأهمية المركزية للتنمية الاقتصادية بالاعتبار، ينبغي التمييز بين آليتين قد ولدتا هذه العلاقة وذلك بالتساؤل فيما إذا كانت البلدان الديمقراطية قد انبثقت على الأرجح من تطور اقتصادي في ظل نظام دكتاتوري أو ظهرت لأسباب أخرى غير التنمية، والملاحظ أنه تستمر الديمقراطية على الأرجح في البلدان التي كانت متطورة بالفعل؛ ومن الضروري الأخذ في الاعتبار عند التحليل، تجربة النمو الاقتصادي للفترة السابقة من الحكم الاستبدادي عند تقويم “نقطة البداية” للديمقراطيات الجديدة مقارنة بحالات الديمقراطيات الأكثر استقرارا، وكما لاحظ البولندي برزيورسكي وآخرون فانه يظهر من المعقول الافتراض أن الفقر يولد الفقر والدكتاتورية، كما أن انتشار فكرة التنازل عن ميزة من أجل الحصول على ميزة أخرى بين الديمقراطية والانتخابات والتنمية الاقتصادية لا يبدو سليما.

 

 

انعدام الخدمات يضعف شرعية النظام السياسي

 

برغم أن بعض العوامل الأخرى تؤدي أدوارا، فان معدل دخل الفرد هو إلى حد بعيد أفضل مؤشر على بقاء الديمقراطيات على قيد الحياة؛ وتستمر الديمقراطيات في المجتمعات الثرية برغم ما يحدث لها، فيما تكون هشة في البلدان الفقيرة؛ ولكن لا يحكم دائما عليها بالموت. ويساعد التعليم على استمرارها بشكل مستقل عن الدخل، ويجعلها التوازن بين القوى السياسية أكثر استقرارا. وتكون المؤسسات أيضا مهمة: فتتوافر الديمقراطيات الرئاسية على احتمال أقل للاستمرار في ظل جميع الظروف التي يمكننا أن نلاحظها مقارنة بالديمقراطيات البرلمانية التي هي أكثر شيوعا على ما يعتقد.

عند تناول الدول الهشة، فإنه من الخطأ الفادح تجاهل أهمية الشرعية؛ إذ إما بسبب نقص الشرعية تصبح الدولة هشة، وإما لأنه يجب بناء دولة قابلة للحياة وبالتالي شرعية في بلد ما بعد الصراع. في الوقت نفسه، يجب التأكد من أن المؤسسات تتلقى الإشارات من المجتمع وتستجيب لها على نحو كاف. لذلك من المهم ليس فقط دعم القدرات الفنية للبرلمانيين، لكن مساعدتهم أيضا لزيادة شرعيتهم كممثلين بوساطة محاسبة ناخبيهم لهم على أفعالهم. من الأهمية بمكان عدم التقليل من مخاطر الاستعانة بمصادر خارجية فيما يخص مهام ومسؤوليات الحكومة الرئيسة. ومن الطبيعي أن تكون الخدمات الأساسية عاجلة، لكن ينبغي أن تؤخذ الشرعية في الاعتبار في ضمان تسلمها من قبل السكان، وهذا الحالة تنطبق على العراق، اذ أن نقص أو انعدام الخدمات الأساسية يضعف شرعية النظام السياسي.

يعد نسبيا تقدم الديمقراطية هدفا جديدا في التعاون الإنمائي، إذا فُهم بالمعنى الدقيق للكلمة، فهو يعني التطور السياسي. لكن ينبغي أن يميز بوضوح تعزيز الديمقراطية عن حقل تقوية نظام الإدارة العامة، حيث للأخيرة تاريخ طويل في التعاون الإنمائي. يظل في الواقع كثير مما يُطلق عليه حاليا بتعزيز الديمقراطية في سياق برامج الحوكمة الجيدة ذات الطبيعة التقنية: المساعدات الانتخابية ودعم الخبراء والدعم المادي للمؤسسات ذات العلاقة مثل البرلمان، وهو غير كاف لتعزيز الديمقراطية في البلدان النامية.

     هناك من يرى أن إجراء الانتخابات خلال عمليات الإصلاح الأولية يعمل عمليا على إبطائها؛ لسبب بسيط يتمثّل في أنه في البيئات ذات الدخل والتعليم المنخفضين جدا، تميل الانتخابات إلى أن تطغى عليها الأجندات الشعبوية، وستنتصر الشعبوية تقنيا على الاستراتيجيات الأكثر تطورا في هذه البيئات، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك ومنها ما يجري في العراق.

  بالنسبة إلى العراق، فقد جاءت تجربته الديمقراطية المتعثرة إثر احتلال، وكان البلد قبل ذلك منهكا بسبب الحروب الداخلية والخارجية والعقوبات القاسية التي فرضتها الأمم المتحدة بعد غزو الكويت من قبل نظام صدام حسين عام 1990؛ إذ انتشر الفقر على نطاق واسع وتراجعت الخدمات الأساسية والتعليم والصحة. ونتيجة تبني نهج المحاصصة الطائفية والإثنية الحاضن للفساد المالي والإداري بعد اسقاط النظام عام 2003، لذلك لم تنطلق تنمية اجتماعية – اقتصادية حقيقية ترافق التغيير السياسي وتعززه نحو بناء نظام ديمقراطي برغم ارتفاع عائدات العراق من النفط، بل ظلت أغلب المصانع معطلة والزراعة تتراجع، وتعزز التفاوت الطبقي وانتعشت الفئات الطفيلية وتفتت النسيج الاجتماعي وضعفت الهوية الوطنية أمام انتعاش الهويات الفرعية، الطائفية والإثنية والعشائرية والمناطقية؛ وكل هذه الأمور لا بد أن ترتبط بعلاقة عكسية سلبية مع تعزيز الديمقراطية والممارسات الانتخابية، وتزيد من تعثرها وتشوهها.

قد يعجبك ايضا