رواية (بندر فيلي) مرآة معاناة الكورد في زمن الظلم والقهر

فاضل علي

تُعدّ رواية “بندر فيلي” واحدة من أبرز الأعمال السردية التي عالجت بعمقٍ إنسانيٍ وموقفٍ واقعيٍ مأساة الكورد الفيليين في ظل النظام البعثي السابق، إذ تكشف الرواية جانبًا من الجرائم والانتهاكات التي مورست بحقهم، وتحوّل الألم الفردي إلى شهادة أدبية تُوثّق واحدة من أكثر فصول التاريخ العراقي سوادًا.

تدور أحداث الرواية حول شاب كوردي فيلي يُدعى بندر فيلي، وُلد في سجنٍ عراقي من رحم أمّه المعتقلة، ليبدأ رحلته داخل عالمٍ مغلقٍ لا يعرف سوى القيود والجدران. تمتدّ الرواية على مدى ثلاثةٍ وعشرين عامًا، يقضيها بندر بين زنزانتين تمثلان وطنًا منفى في آنٍ واحد، وتغدو حياتُه مرآةً لمعاناة أجيالٍ من أبناء شعبه الذين عاشوا القهر والإقصاء والتغييب.

يُبهر الكاتب في بناء شخصية بندر، إذ يجعل منها رمزًا للإنسان المقهور الذي يبحث عن معنى للحياة في زمنٍ يغيب فيه المعنى. وقد شبّه النقاد بنية الشخصية بتلك التي ظهرت في أعمال كوردية أخرى مثل جلادت كفتر وجمشيد خان، ما يعكس براعة السرد والتأثر بالمدرسة الواقعية العميقة، بل ويُلمَح أثر الأدب الروسي، خصوصًا تولستوي، في التشبيهات الدقيقة والتأملات الفلسفية.

تتميّز الرواية بأسلوبها التصويري الذي يقترب من اللغة السينمائية، حيث تُنقل مشاهد القتل والإعدام بواقعيةٍ مؤلمة تُلامس الوجدان، مع حضورٍ رمزيٍ كثيفٍ للأماكن مثل سجن الحبس الانفرادي وجسر الجمهورية في بغداد، الذي يتحوّل في النص إلى دلالة على غياب “الجمهورية” بوصفها رمزًا للحرية المفقودة.

وتتناول الرواية موضوعات اجتماعية عميقة كالتنشئة القسرية والاغتراب الذاتي والجهل المفروض، وتطرح أسئلة عن حدود العنف في الأدب، وعن حقّ الكاتب في كشف المأساة كما هي، دون تزيينٍ أو مواربة. وبرغم سوداوية الأجواء، تبقى الرواية مشدودة بجمالها الإنساني وشاعريتها الداخلية، لتؤكد أن الأدب الحقيقي قادرٌ على تحويل الألم إلى وعيٍ وذاكرةٍ خالدة.

تُعدّ “بندر فيلي” إضافة نوعية إلى الرواية العراقية الحديثة، إذ توفّق بين التوثيق والخيال، وبين الواقعية والفلسفة، لتبقى شاهدًا أدبيًا على زمنٍ من القهر والإنكار، وصوتًا للكورد الفيليين الذين لم يُسمع صوتهم بما يكفي.

قد يعجبك ايضا