أحمد زبير باني
في قلب كوردستان، حيث الجبال الشامخة والسهول الممتدة، وُلدت أسطورة صمود أمة. كان يوم 29 سبتمبر 1971 أكثر من مجرد تاريخ؛ كان اختبارًا لإرادة الكورد في وجه الظلم، ولشجاعة قائد أمة، الراحل الملا مصطفى البارزاني، الذي واجه الموت مباشرة حين حاول النظام الفاشي العراقي اغتياله في عملية إرهابية محكمة.
لكن البارزاني، بإيمانه العميق بحق شعبه، وبصلابته التي لا تعرف الهزيمة، نجى من بين براثن الموت، ليصبح هذا اليوم رمزًا حيًا لإرادة الكورد التي لا تُقهر. لم يكن هذا الحدث مجرد صراع فردي بين قاتل وضحية، بل كان صراع أمة بأكملها على هويتها وكرامتها وحقها المشروع في تقرير المصير.
لقد جاء الاعتداء في سياق سياسات قمعية تحاول ابتلاع الحقوق الكوردية في كوردستان. بعد اتفاقية 11 آذار 1970، التي وعدت ببعض الحقوق المحدودة، رفض النظام العراقي الالتزام، ولجأ إلى الإرهاب والتهديد بدل الحوار السياسي. هنا يظهر البعد الفلسفي للأحداث: القوة لا تُقاس بالرصاص والتهديد، بل بثبات الإرادة الحرة والوفاء بالمبادئ في مواجهة الظلم.
نجاة الملا مصطفى البارزاني لم تكن مجرد حماية للحياة، بل كانت إعلانا للأمة كلها بأن الهوية والكرامة والحق في تقرير المصير لا يمكن كسرها. لقد أعادت المحاولة الفاشلة توجيه البوصلة الوطنية، وجعلت الوحدة بين الكورد أكثر ضرورة، وأكدت أن القيادة ليست مجرد منصب، بل مسؤولية أخلاقية عميقة تجاه شعب بأكمله.
السياسة والفلسفة تتشابكان في هذا الحدث؛ إذ إن صمود البارزاني هو صمود للحرية نفسها، وللحق الطبيعي للشعوب في تقرير مصيرها. التاريخ يعلمنا أن الرموز الوطنية، مثل الراحل الملا مصطفى البارزاني، ليست مجرد أشخاص، بل أيقونات للأمل والمقاومة، تجسد كفاح أمة كاملة ضد الظلم والقهر المستمر.
حادثة 29 سبتمبر 1971 لم تكن مجرد محاولة اغتيال؛ إنها درس خالد في صمود الإرادة وعبرة للسياسة الوطنية، وشهادة على عمق الوعي القومي للكورد في كوردستان. بينما تسعى الأنظمة القمعية لطمس الهوية والحقوق، تظل إرادة الشعب الصامد لا تُقهر، وتبقى الرموز الوطنية تضيء الطريق للمقاومة والثبات والتمسك بالمبادئ.
في النهاية، نجات الراحل الملا مصطفى البارزاني ليست مجرد حكاية شخصية؛ إنها ملحمة أمة بأكملها، رمزًا للأمل والحرية، ودرعًا للحق المشروع في تقرير المصير في قلب كوردستان. ستظل إرادته الحية منارة للأجيال القادمة، تلهمهم للنضال من أجل الهوية، والكرامة، والحرية، لتظل كوردستان حرة وشامخة بين الأمم