*ماهين شيخاني.
هل تكفي الوعود لبناء الثقة بعد عقود من الإنكار؟
مقدمة: الخروج من الماضي لا يعني النجاة من تكراره
تدخل سوريا مرحلة جديدة من تاريخها بعد عقود طويلة من الحكم السلطوي والحرب والانقسام. وبينما ينظر كثير من السوريين إلى هذه المرحلة بوصفها فرصة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر عدالة وتوازناً، ينظر الكورد إليها أيضاً بعين أخرى لا تقل أهمية: عين الذاكرة.
فالذاكرة السياسية للشعوب ليست مجرد أرشيف للأحداث الماضية، بل هي أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. والكورد في سوريا لا يحملون فقط ذاكرة الحرب الأخيرة، بل يحملون إرثاً طويلاً من السياسات التي استهدفت هويتهم القومية وحقوقهم الثقافية والسياسية لعقود متواصلة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تؤسس لعلاقة مختلفة مع الكورد تقوم على الشراكة والاعتراف المتبادل، أم أن البلاد مهددة بإعادة إنتاج أشكال جديدة من المركزية والإقصاء تحت عناوين مختلفة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالنوايا المعلنة بقدر ما تتعلق بطبيعة المؤسسات التي ستنشأ، والضمانات التي ستوضع، والعقد السياسي الذي سيحكم سوريا المستقبل.
أولاً: إرث البعث… أزمة ثقة عميقة لا يمكن تجاهلها
يصعب فهم الموقف الكوردي الراهن دون العودة إلى السياسات التي مورست بحق الكورد خلال العقود الماضية.
فمنذ ستينيات القرن الماضي، تعرضت المناطق الكوردية لسلسلة من الإجراءات التي تركت آثاراً عميقة في الوعي الجمعي، من بينها الإحصاء الاستثنائي الذي حرم عشرات الآلاف من الجنسية، ومشروعات التغيير الديموغرافي، والقيود المفروضة على اللغة والثقافة الكورديتين، فضلاً عن التهميش الاقتصادي والتنموي للمناطق ذات الأغلبية الكوردية.
ولم تكن هذه السياسات مجرد أخطاء إدارية أو تجاوزات فردية، بل جاءت ضمن رؤية سياسية اعتبرت التنوع القومي تهديداً ينبغي احتواؤه بدلاً من الاعتراف به.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، دخلت البلاد مرحلة أكثر تعقيداً، شهدت انتهاكات واسعة من أطراف متعددة، وتعرض المدنيون السوريون بمختلف مكوناتهم لموجات متلاحقة من العنف والتهجير والاعتقال.
لذلك فإن أزمة الثقة الحالية لا تنبع فقط من أحداث السنوات الأخيرة، بل من تراكم تاريخي طويل جعل قطاعات واسعة من الكورد تتعامل بحذر مع أي مشروع سياسي لا يقدم ضمانات واضحة وقابلة للتنفيذ.
ثانياً: بين الخطاب الجديد والأسئلة القديمة
مع التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها سوريا، برزت قوى جديدة تتحدث عن بناء دولة مختلفة تقوم على المواطنة والشراكة الوطنية.
من حيث المبدأ، تمثل هذه اللغة السياسية تطوراً إيجابياً مقارنة بخطابات الإقصاء السابقة. غير أن التجارب التاريخية علمت السوريين عموماً، والكورد خصوصاً، أن الخطابات وحدها لا تكفي لبناء الثقة.
فالسؤال الحقيقي ليس ما يقال اليوم، بل ما الذي سيبقى قائماً عندما تستقر موازين القوى وتتراجع الضغوط الداخلية والخارجية.
هل ستترجم الوعود إلى نصوص دستورية واضحة؟
هل سيجري الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي في بنية الدولة؟
هل ستتم حماية الحقوق من خلال مؤسسات مستقلة وقضاء قادر على ضمانها؟
أم أن الاعتراف الحالي سيبقى جزءاً من ترتيبات انتقالية قابلة للتغيير مع تبدل الظروف؟
هذه الأسئلة ليست تعبيراً عن تشاؤم، بل عن تجربة تاريخية دفعت الكورد إلى قياس السياسات بنتائجها لا بشعاراتها.
ثالثاً: جوهر القضية ليس الأشخاص بل شكل الدولة
كثير من النقاشات السياسية الجارية تركز على الأشخاص والقوى المتنافسة، بينما تكمن المشكلة الحقيقية في طبيعة الدولة نفسها.
فإذا أعيد إنتاج نموذج الدولة المركزية الصلبة التي تحتكر تعريف الهوية الوطنية وتختزل التنوع في إطار واحد، فإن المشكلة ستستمر مهما تغيرت الأسماء والوجوه.
أما إذا نجحت سوريا في بناء دولة تعترف بتعدد مكوناتها القومية والدينية والثقافية، فإن فرص الاستقرار ستكون أكبر بكثير.
القضية الكوردية في جوهرها ليست مطالبة بامتيازات استثنائية، بل بحث عن صيغة تضمن المشاركة المتكافئة والاعتراف المتبادل.
ولهذا فإن مستقبل العلاقة بين دمشق والكورد سيتحدد وفق الإجابة عن سؤال واحد:
هل ستُبنى سوريا الجديدة على مفهوم الشراكة أم على مفهوم الاستيعاب؟
فالفرق بين المفهومين كبير.
الشراكة تعني الاعتراف بالتنوع وإدارته.
أما الاستيعاب فيعني مطالبة المكونات المختلفة بالذوبان داخل هوية مركزية واحدة.
وقد أثبت تاريخ المنطقة أن الاستيعاب القسري لا ينتج استقراراً دائماً، بل يؤجل الأزمات إلى مراحل لاحقة.
رابعاً: ما الذي يحتاجه الكورد اليوم؟
في ظل هذا المشهد المعقد، لا يبدو أن التحدي الأكبر أمام الكورد هو الخوف من طرف بعينه، بل كيفية إدارة المرحلة المقبلة بعقلانية سياسية.
ويتطلب ذلك عدة عناصر أساسية:
أولاً: الحفاظ على وحدة الموقف الكوردي قدر الإمكان، لأن الانقسامات الداخلية كانت دائماً أحد أهم عوامل إضعاف القدرة التفاوضية.
ثانياً: التمسك بالحوار السياسي بوصفه المسار الأكثر قدرة على حماية المكتسبات وتجنب الصراعات المكلفة.
ثالثاً: ربط أي تفاهمات سياسية بضمانات دستورية ومؤسساتية واضحة، لا بالاكتفاء بالوعود أو التفاهمات المؤقتة.
رابعاً: بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى السورية على أساس المصالح المشتركة والاستقرار الوطني.
فالحقوق التي تستند إلى مؤسسات وقوانين تبقى أكثر صلابة من الحقوق التي تعتمد على موازين القوى المتغيرة.
خامساً: منطق الدولة أم منطق الغلبة؟
إن التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم لا يقتصر على إعادة الإعمار أو إعادة بناء المؤسسات، بل يتمثل في الإجابة عن سؤال أكثر عمقاً:
هل ستكون الدولة القادمة دولة مواطنين متساوين، أم دولة غالب ومغلوب؟
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الاستقرار لا يتحقق بالقوة وحدها، وأن المجتمعات المتنوعة لا تُدار بمنطق الإخضاع، بل بمنطق التوافق والشراكة.
ومن هنا فإن نجاح أي سلطة جديدة لن يقاس بقدرتها على بسط السيطرة فقط، بل بقدرتها على إنتاج عقد وطني يشعر فيه جميع السوريين بأنهم شركاء حقيقيون في وطن واحد.
خاتمة: الثقة تُبنى بالضمانات لا بالوعود
لا يحتاج الكورد اليوم إلى خطابات تطمينية بقدر ما يحتاجون إلى ضمانات واضحة تحمي حقوقهم في أي نظام سياسي قادم.
فالتاريخ علمهم أن الوعود قد تتغير بتغير الظروف، وأن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي لحماية الحقوق عندما تتبدل موازين القوة.
ولهذا فإن القضية الأساسية ليست في هوية الحاكم القادم أو طبيعة الخطاب السياسي السائد، بل في وجود عقد دستوري ومؤسساتي يجعل الحقوق جزءاً من بنية الدولة لا من مزاج السلطة.
فإذا نجحت سوريا الجديدة في بناء هذا العقد، فإنها ستفتح صفحة مختلفة في علاقتها مع الكورد ومع بقية مكوناتها.
أما إذا اكتفت بتغيير الشعارات مع الإبقاء على منطق الهيمنة والإقصاء، فإن البلاد ستكون أمام إعادة إنتاج لأزمات الماضي بأسماء جديدة.
والدول لا تُقاس بما تعد به شعوبها، بل بما تضمنه لهم عندما تتغير الظروف وتتبدل الوجوه.