نوري جاسم
منذ أن خُطّت أولى الكلمات على الورق، كان للإعلام دورٌ بالغ الأهمية في تشكيل وعي المجتمعات، وتوجيه الرأي العام، والتأثير على المشهد السياسي والاجتماعي. واليوم، ومع تعدد المنصات وتنوع الوسائل، بات الإعلام أكثر تأثيرًا، وأشد خطورة أو فائدة، حسب الرسالة التي يحملها. ومن هنا تبرز مسؤولية الإعلام – الرسمي والخاص – في مجتمعاتنا المتعددة القوميات والأديان والطوائف، خصوصًا في العراق، بلد التنوع والتاريخ.
وإن التعايش السلمي ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو ثقافة تُبنى على أسس الاحترام المتبادل، والاعتراف بالآخر، والتكامل بدلًا من التصادم. وهو ليس حالة طارئة أو مؤقتة، بل مشروع دائم يتطلب عملاً مستمرًا من مؤسسات الدولة والمجتمع، وعلى رأسها الإعلام. ولقد مرّ العراق بتجارب مؤلمة في تاريخه الحديث، كان أحد أسباب تفاقمها هو غياب الخطاب الإعلامي المتوازن، الذي يراعي حساسية المجتمع وتنوعه.
وعندما غاب هذا التوازن، برزت لغة التحريض، والتخوين، والتعميم، وسادت نغمة الانقسام بدلًا من صوت الوحدة. وفي المقابل، رأينا في فترات أُخرى كيف لعب الإعلام دورًا إيجابيًا في تخفيف التوترات، وفتح نوافذ الحوار، وتقديم نماذج مضيئة للتعايش. بل إن بعض البرامج والتقارير والحوارات ساهمت في إعادة الثقة بين المكونات المختلفة، وذكّرتنا بأن ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا.
وإن وحدة العراق لا تُبنى فقط بالقرارات السياسية أو الاتفاقات بين النخب، بل تتجذر في وجدان الناس عبر روافد متعددة، أبرزها الإعلام. فحين يرى المواطن في الشاشة أو الصحيفة أو الإذاعة صورةً عادلةً لواقعه، وتمثيلاً حقيقيًا لصوته، واحترامًا لمكونه وثقافته، يشعر بالانتماء، ويصبح أكثر استعدادًا للمشاركة في بناء الوطن، وليس الهروب منه أو الوقوف على هامشه.
وهنا يأتي دور الإعلامي والمحرر والصحفي والكاتب. كل كلمة تُكتب، وكل صورة تُنشر، وكل عنوان يُختار، قد تسهم في تهدئة النفوس أو إشعالها. وقد يقول البعض إن (المهنية) هي الالتزام بالحياد ونقل الحقيقة كما هي، وهذا صحيح، لكن المهنية الحقيقية تشمل أيضًا الوعي بواقع المجتمع، وتقدير ظروفه، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية، لا فقط التقنية.
وأنا لا أدعو إلى تزييف الواقع أو تجميله، بل إلى تناوله بوعي ومسؤولية. فالنقد البناء لا يعني التهجم، وطرح المشاكل لا يعني تعميم السوء على الجميع، وتسليط الضوء على الاختلاف لا يعني زرع الكراهية. وما نحتاجه هو إعلام يبني ولا يهدم، يُقرّب ولا يُفرّق، يُعلي صوت العقل على صخب الانفعال، ويؤمن بأن تعدد الآراء لا يعني الخيانة، بل دليل صحة وتنوع.
ولقد آن الأوان لأن يُعاد النظر في الخطاب الإعلامي، خصوصًا في البرامج الحوارية ومواقع التواصل التي صارت مؤسسات إعلامية موازية. وعلينا أن نُعزز ثقافة المسؤولية الإعلامية، من خلال التدريب والتوعية والتشريعات، وأيضًا من خلال تقديم نماذج ناجحة يثق بها الجمهور. وفي النهاية، يبقى الإعلام سلاحًا ذا حدين، ونحن من يقرر اتجاهه.
فإما أن يكون جسرًا نعبر به إلى مستقبل أكثر وئامًا، أو حائطًا يُقسّمنا إلى جزر معزولة. وأنا، كمواطن وكاتب، أراهن على الخيار الأول، لأن لا مستقبل للعراق دون تعايش، ولا تعايش دون إعلام وطني نزيه، يعرف حجمه، ويقدّر أثره، ويحترم تنوع شعبه. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.