الانتفاضة الكوردية الكبرى

 

 

طارق كاريزي

يشير عدد من المؤرخين وكتاب التأريخ الكوردي الحديث، الى ان الشعب الكوردي عاش ومازال حقبة طويلة من الثورات والانتفاضات المتتالية طوال القرنين الماضيين. وجاءت ثورات الشعب الكوردي وانتفاضاته ضد الظلم والقهر الذي كان يعانيه على يد سلطات الامبراطورية العثمانية والصفويين وشاهات القاجار واسرة بهلوي وانظمة الحكم في تركيا وايران والعراق وسوريا، أي الدول التي تأسست بعد الحرب العالمية الاولى ايضا.

 

قادة وزعماء الثورات الكوردية كانوا ومازالوا يطالبون بالسيادة الكوردية واستقلال كوردستان. ومن دون الخوض في تفاصيل عدم تحقيق سلسلة من الانتفاضات المتواصلة للكورد في جميع اجزاء كوردستان لاهدافها التي تتلخص في تحقيق الحرية لشعب كوردستان والاستقلال الناجز لكوردستان، نود تأكيد حقيقة اصرار الكورد على مواصلة النضال وحجم الخسائر الكبيرة والتضحيات الجسيمة التي دفعها وقدمها الكورد بسبب قساوة اساليب القمع التي جابه بها محتلو ومقتسمو جغرافية كوردستان وناهبوا خيرات موطن الكورد لقمع هذه الثورات والانتفاضات.

 

قرار شعب لا ظهير له بمواجهة الالة الحربية الفتاكة لدول مزوّدة باحدث انواع أسلحة العصر ليس سهلا بالمرّة، لكن مرارة الاحتلال وانعدام العدالة والتمييز العنصري ضد الكورد ومحاولات صهره ومصادرة هويته، كان لابد وأن يكون الرد الكوردي من اجل الدفاع عن ثلاثي الوجود والارض والهوية التي تم الطاول عليهن من قبل دول شعوب الجوار.

 

الانتفاضة الكوردية الكبرى ونعني بها انتفاضة آذار/1991 في جنوبي كوردستان، هي نموذج مشرق للثورات الكوردية الكبرى في تأريخ الكورد المعاصر. وارتأيت اطلاق تسمية الكبرى عليها كونها استطاعت تحرير أكثر من 90% من جغرافية كوردستان العراق خلال اسبوعين من الانتفاضة المتواصلة. وتستحق وصف الكبرى كونها جمعت كافة الاحزاب والقوى الكوردستانية تحت مظلة الجبهة الكوردستانية، وشارك فيها شعب جنوب كوردستان بجميع أطيافه وشرائحه وطبقاته. هذه الانتفاضة استطاعت تحطيم حاجز الرهبة والرعب التي أشاعها نظام صدام/ البعث في عموم العراق وفي جنوبي كوردستان من خلال سلسلة جرائم ضد الطبيعة والانسانية، بعض مفرداتها (الارض المحروقة، الانفال، السلاح الكيمياوي).

 

من المهم هنا التذكير بأن تسريبات شاعت بين الشعب كانت تقول بأن الحكومة العراقية (حكومة قائد الضرورة صدام!) قد وضعت اللمسات الاخيرة للتهجير القسري لشعب جنوب كوردستان بالكامل واخلاء كوردستان من الكورد تماما. هذه التسريبات قد ظهرت الى العلن من خلال تصريحات ادلى بها ابن عم صدام المدعو (علي حسن المجيد) بالعربية العراقية الدارجة، وجاء فيها “نجيب عرب أبو الدم الخفيف للجبال” ومعناها بالعربي الفصيح “سنأتي بالعرب ذو الدم الخفيف الى الجبال”، والمقصود بالجبال هنا كوردستان.

 

ربما لا يعرف البعض مغازي ودلالات هذه الجملة، عليه اليكم بعض التوضيحات: سكان الجبال أي سكان كوردستان هم الكورد ثقيلو الدم لذا لابد وان تقوم حكومة الحزب والثورة (البعث وثورته أو الاصح انقلابه في 17/تموز/1968) بالتخلص من الكورد وتأمين الجبال من خلال استيطان العرب (ذو الدم الخفيف بحسب المجيد) فيها. هذه الحملات التي عرفت بالتعريب وقد طبقت في مناطق واسعة من كوردستان العراق في محافظات ديالى (تدمير جميع قرى وبلدات قضائي مندلي وخانقين وترحيل وتهجير سكانها الكورد الى منافي الاقليم العربي للعراق في الوسط والجنوب منذ عام 1974)، وكركوك التي تم تقطيع أوصال المحافظة وتم قضمنصف مساحتها (10 آلاف كيلومتر مربع ما يعادل مساحة دولة لبنان) حيث استقطعت أربعة أقضية ذات أغلبية كوردية من أصل ستة أقضية والحقت بالمحافظات المجاورة (السليمانية، ديالى، صلاح الدين) ودمّرت حوالي 771 قرية وعدد من البلدات الكوردية التابعة لكركوك وتم تهجير سكانها الى خارج المحافظة، علاوة على حملات تهجير وترحيل قسرية استمرّت لمدة ربع قرن استهدفت الكورد الساكنين في مدينة كركوك مركز المحافظة، كل ذلك من اجل تغيير التركيبة الديموغرافية لكركوك ذي الاغلبية الكوردية لصالح أغلبية عربية من المستوطنين القادمين من جميع المحافظات العربية في العراق. وأخيرا فان حملات تعريب واسعة استهدفت الكرد في محافظة نينوى، حيث تم تهجير الكورد الايزدية في شنكال وشيخان في شمال شرق وكذلك غرب نينوى والكورد الشبك بدءا من الضاحية الشمالية الشرقية لمدينة الموصل حيث يقطنون بكثافة في 72 قرية ويشكلون ثقلا سكانيا مؤثرا في سهل نينوى الى جانب الكورد الايزديين والمسيحيين. وتعرض كورد مدينة الموصل مركز المحافظة لمضايقات شتى وتم حرمانهم من جميع حقوق المواطنة وتعرضوا لمضايقات وحملات تهجير وترحيل واسعة ايضا.

 

كل هذه الحملات التي استهدفت التخوم الجنوبية والغربية والجنوبية الغربية من كوردستان العراق غيّرت ديموغرافية هذه المناطق لصالح المكون العربي العراقي بعد خطط وحملات استيطان واسعة عرفت بالتعريب وترجمت من خلال تهجير وطرد (الكورد) السكان الاصليين لهذه المناطق واسكان واستيطان وافدين (عرب) من مختلف المحافظات العربية محل الكورد وتحويل ملكية الاراضي الكردية باسم المستوطنين الوافدين أو الوزارات العراقية، سعيا لقضم واحتلال مناطق السهول الخصبة ومنابع النفط الكوردستانية في ديالى وكركوك وأربيل ونينوى، وحصر الكورد في المراحل الاولية من حملات التعريب في مناطق الجبال الوعرة ومن ثم احتلال هذه الجبال أيضا في المراحل النهائية والاخيرة من خلال حملات تعريب واستيطان ثانية تهدف اخلاء كوردستان من سكانها الاصليين واغتصاب جغرافيتهم وتوزيعها كغنائم على العرب الزاحفين من مناطق وسط وجنوبي العراق باتجاه الشمال الكوردي (جنوبي كوردستان).

 

خطة تعريب كوردستان العراق التي استطاعت انهاء الوجود الكوردي تقريبا في حوالي 45% من كامل جغرافية اقليم كوردستان العراق الذي يبلغ مساحتهما بين (82- 87) ألف كيلومتر مربع، كانت تسير وفق مخططات دقيقة. نشير باختصار وعلى سبيل المثال الى بعض مفرداتها:

 

-تدمير مناطق الكورد الفيلية وانهاء وجودهم في محافظتي واسط وديالى وتوزيع أراضي قراهم على العشائر العربية الزاحفة نحو الشرق والشمال، وكذلك الاستيلاء على أملاكهم ومصادرة ممتلكاتهم في بغداد ومراكز المدن الاخرى.

 

-استهدفت حملات التعريب بكثافة مناطق البترول وسهل كركوك في جنوب وغرب وجنوب غربي المحافظة، وفي العقد الاخير من القرن الماضي حقق التعريب أهدافا خطيرة مهدت السبيل لتنفيذ خطة الحزام العربي ليحيط كركوك من الشمال والشرق، لتتجه بعدها سهام خطط التعريب نحو عمق الجغرافية الكوردية في أربيل والسليمانية، وذلك بعد انهاء الوجود الكوردي في مفصل كركوك الستراتيجي.

 

-تم توظيف المثل والرموز الدينية لادانة الكورد واستهدافهم وتبرير قتلهم واحتلال اراضيهم والاستيلاء على املاكهم وممتلكاتهم، الانفال (احدى سور الكتاب الكريم) اطلق كعنوان لتدمير حوالي (5) آلاف قرية كردية وعشرات البلدات (مراكز الاقضية والنواحي). وتم تبديل اسم حي (رحيماوا) السكني (علاوة على المئات من الاسماء الكوردية الاخرى) في كركوك الى (الاندلس) في دلالة واضحة لحث الذاكرة الجريحة للقومجيين والشوفينيين وتعويض خسارة الاندلس بغنيمة كركوك. وكذلك اطلقت سلسلة اسماء على مستوطنات اقيمت للعشائر العربية في سهل شوان (شمال شرق كركوك) ذات مغاز ودلالات بيّنة (الوثبة، الصمود، الشهادة، الثغرة). دقق عزيزي القارئ في عمق هذا التحريض الذي يستهدف الكورد في الصميم، تبنى الثغور في الاسلام عند الحدود الفاصلة بين ارض الاسلام وارض الكفر. أي استهداف بغيض هذا للكورد في وجودهم وأرضهم؟

 

-أثناء تنفيذ الفقرة الاولى من المادة (140) من الدستور العراقي والتي كانت تقتضي التطبيع من خلال عودة المرحلين الكورد ورجوع الوافدين العرب كل الى مناطقهم ومدنهم وقراهم السابقة، قدمت عدد من الاسر العربية الوافدة الى داقوق (30 كم جنوب كركوك) والتي اسكنت في مستوطنات اطلقت عليها اسماء مثل (حيفا، يافا، الوحدة.. الخ) طلبات لتشملهم تعليمات الفقرة المذكورة. لكن واجه هؤلاء المستوطنون العرب مشكلة كونهم لا يملكون الجنسيّة العراقية قبل قدومهم الى كركوك، وهي احدى المستمسكات الضرورية التي لابد وأن تقدم لموظفي لجنة تنفيذ المادة 140 وذلك لاستبيان المكان السابق للمستوطن العربي أو المهجر الكوردي ومكانه الحالي من أجل تطبيع الاوضاع التي تتمثل بعودة المستوطن العربي الى منطقته الاصلية في الاقليم العربي للعراق ويعود الكوردي الى ارضه وقريته ومدينته التي هجر منها قسرا، مع تلقي تعويضات مقدارها 20 مليون دينار عراقي للمستوطن العربي و10 ملايين دينار عراقي للمرحل والمهجر الكوردي (انظروا، حتى الدستور العراقي ميّز بين العربي والكوردي، منح الاول تعويضات ضعف المبلغ المخصص للثاني). لكن مستوطنو عرب داقوق تبيّن انهم ليسوا عراقيين، بل كانوا قبل قدومهم الى وكردستان بدو رحل يتنقلون عبر الحدود العراقية السعودية وتم تجنيسهم كعرب كركوك.

 

هذه المعلومات التي طرحناها هي غيض من فيض التجاوزات والحملات الرهيبة التي استهدفت الوجود الكوردي في هذا الجزء من كوردستان، هدفنا تقديم صورة توضيحية مختزلة لقساوة الظرف الكوردي في جنوب كوردستان، خصوصا وان حكومة البعث/ صدام قد وضعت اللمسات الاخيرة لتعريب جنوب كوردستان تماما واغتصاب هذه الارض. في هذه الاجواء القاسية والرهيبة والتي لم تمرّ بعد ثلاث سنوات على تنفيذ حملات الانفال التي استشهد فيها ربع مليون مدني كوردي دفنوا أحياء في المقابر الجماعية التي اكتشف البعض منها بعد سقوط صدام (2003)، وكذلك قساوة السلاح الكيمياوي الذي ضرب به الكورد في حلبجة وعشرات القرى الكوردستانية، امتلك شعب جنوبي كوردستان شجاعة مواجهة الالة الحربية والاجهزة القمعية لنظام البعث العراقي، لأنه وجدها الفرصة السانحة للتخلص من القمع الصدامي وتحقيق الانعتاق والحرية.

 

نكبة الكويت

 

غزو الكويت من قبل الجيش العراقي يوم 2/8/1990 اسقط دولة عربية ذات سيادة بموجب الشرعية الدولية. قوات الحرس الجمهوري التي خرجت من حرب الثمان سنوان مع ايران وهي في منتهى الجهوزية وذات قدرة عالية على المناورة والهجوم، وجدت في دولة الكويت هدفا في منتهى السهولة أمام الاحتلال الصدامي (ونقول الاحتلال الصدامي، لأن قرار احتلال الكويت كان صداميا أكثر من كونه عراقيا). صغر مساحة الكويت وانبساط الارض بين البلدين ومحدودية القدرات الدفاعية له، جعل غزوه من قبل قوات الحرس الجمهوري العراقية هدفا سهل التحقيق. تلقت هذه القوات الاوامر من صدام واجتازت الحدود الفاصلة بين البلدين في الساعة الثانية بعد منتصف الليل وبعد ساعتان فقط، سقطت دولة الكويت ولولا فرار اميرها نحو السعودية، لاسرته القوات العراقية.

 

هذا الخرق الخطير للأمن والسلم الدوليين والتجاوز الرهيب ضد الشرعية الدولية، شكلت صدمة كبرى لدى المجتمع الدولي الذي هبّ لتشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية لمجابهة وصد الغزو العراقي للكويت. الدول العربية، خصوصا الخليجية منها، قدمت وابدت منتهى التعاون والدعم للتحالف الدولي الذي استطاع تدمير الجيش العراقي والحاق هزيمة نكراء بقوات صدام. هذه الاجواء الساخنة كانت كافية لحث الشيعة في الجنوب والكورد في كوردستان العراق على الانتفاض ضد نظام صدام الذي اضطهد الطرفين ومارس العنف والصرامة بغلوّ ضدهما. وهكذا فقد اندلعت انتفاضة الشيعة الشعبانية بدءا من البصرة حتى طرقت ابواب بغداد، ثم اندلعت انتفاضة الكورد انطلاقا من رانية وانتهت بتحرير كركوك. ما يهمنا هنا هو تناول انتفاضة الكورد ضد سلطات صدام عام 1991 في جنوبي كوردستان، والتي يسعنا ان نطلق عليها تسمية انتفاضة الكورد الكبرى وذلك لعظم النتائج والانتصارات التي حققتها أثناء الانتفاضة والنتائج التي تمخضت عنها تاليا واوصلت الامور الى حد بلوغ مرحلة استقلال كوردستان بعد مرور أكثر من ربع قرن على اندلاعها.

 

تطرقنا فيما سبق للعاملين الذاتي والموضوعي اللذان مهدا الطريق لانداع انتفاضة آذار/1991، فالممارسات القمعية والعنصرية لنظام البعث/ صدام ضد الكورد وكوردستان بلغت أوجها بحيث بات شعب جنوبي كوردستان يحس بأنه على حافة الفناء، وجاء العامل الموضوعي باندحار قوات صدام في الكويت وتلقيها ضربات قاسية جعلت نظام صدام على حافة السقوط. الجبهة الكوردستانية التي ضمت تحالفا للاحزاب الكوردستانية وضعت الخطط والبرامج اللازمة لقيادة الانتفاضة من حيث الجهد العسكري واللوجستي والتنظيمي والاعلامي والاداري والخدمي. مع ان قوات بيشمركة الاحزاب الكوردستانية كانت قليلة، حيث تفيد بعض التقديرات بانها كانت بحدود (2- 3) آلاف بيشمركة مزوّدين بأسلحة خفيفة وكميات محدودة من العتاد والذخيرة. مثل هكذا قوة عسكرية غير كافية لتغطية مساحات واسعة تشمل أربع محافظات كوردستانية ومناطق كوردستانية في ثلاث محافظات عراقية اخرى.

 

التعويل كان على الجمهور الكوردستاني الذي كان على اتم الاستعداد للانتفاض بوجه الاجهزة الامنية والقمعية لنظام صدام، والخلايا التنظيمية للاحزاب الكوردستانية كانت بمثابة المحرك للاحتجاجات الجماهيرية وانتفاضة الشعب في جميع المدن والبلدات الكوردستانية. الانطلاقة الاولى للانتفاضة كانت في مدينة رانية (أحد أقضية محافظة السليمانية) حيث تم تحريرها يوم 5/3/1991 من سلطات البعث بعد استسلام القوات العسكرية والتشكيلات المسلحة المتعاونة مع السلطات، وانخراط المسلحين الموالين سابقا للسلطات الى جانب الجماهير المنتفضة. وبعد تحرير عدد من القصبات والمجمعات السكنية القسرية التي أقامها نظام صدام للقرويين الكوردستانيين الذين تم تهجيرهم قسريا بعد تدمير قراهم ومزارعهم، تم يوم 7/3/1991 تحرير مدينة السليمانية من نظام صدام، وبذلك فقد تم ولأول مرّة تحرير مركز احدى محافظات جنوبي كوردستان من سلطات الاحتلال البعثية. الانتفاضة امتدت نحو الجنوب والغرب، حيث تحررت العديد من المدن ومراكز الاقضية والبلدات في محافظات كركوك، أربيل وديالى وصلاح الدين. یوم 11/3/1991 تم تحریر أربیل عاصمة جنوبي كوردستان، وبذلك فقد تلقى نظام صدام ضربة قاصمة افقدته الشرعية في منطقة (كوردستان للحكم الذاتي) الشكلي الذي كان مفرغا من السلطات والصلاحيات القانونية في ظل دولة رفعت شعار (اذا قال صدام، قال العراق).

 

وبعد يوم من تحرير أربيل، امتدت شرارة الانتفاضة واسعا، فقد عبرت نهر الزاب الكبير وتم تحرير مركز قضاء آكري(باتجاه دهوك والموصل) وكذلك مركز قضائي كفريوخورماتو (جنوب كركوك)، هكذا بدأت الانتفاضة تدق ابواب كركوك ودهوك، وهي ليست ببعيدة عن الموصل وتكريت وبعقوبة باعتبارها مراكز محافظات عربية فيها مناطق كوردستانية واسعة. فصدرت الاوامر من ابن عم صدام، المدعو علي حسن المجيد (علي كيمياوي، كنيته لدى الكورد لكثرة استخدامة الاسلحة الكيمياوية ضدهم) باعتقال كل كوردي في عمر (16- 60) عاما في الموصل وكركوك وباقي المناطق الكوردستانية التي كانت خاضعت حتى ذلك الوقت لسلطاتهم. وبالفعل فقد تم اعتقال (20) ألف كوردي في كركوك و(15) ألف كوردي في الموصل تم سوقهم للمعتقلات البعثية ومعسكرات الاسرى الايرانيين والكويتيين وفي أجواء قمعية رهيبة.

 

هذا الاجراء الاحترازي من جانب المسؤول العسكري الاول على شمال العراق (علي حسن المجيد) صاحبه زيادة وتكثيف القوات العسكرية والامنية في المدن والبلدات الكوردستانية غير المحررة، فقد زرعت كركوك مثلا بالمدرعات والدبابات ومختلف صنوف القوات العسكرية والامنية الى جانب وضع مقرات حزب البعث وتنظيماته على أهبة الاستعداد لمواجهة مد الانتفاضة ومحاولة الحيلولة دون تحرير المزيد من المدن والبلدات الكوردستانية، وذلك ببناء خنادق ومتاريس صد عسكرية تحيط بكركوك على شكل أقواس نارية، لكن اصرار المنتفضين وتواصل الجهد العسكري والتنسيق العالي لقيادة الجبهة الكوردستانية وقادة أحزابها والدعم الجماهيري الواسع، اسفر عن تحرير مدينة دهوك يوم 14/3/1991 وبعد ستة أيام (يوم 20/3/1991) تم تحرير مدينة كركوك بعد معركة شرسة شاركت فيها القوات العراقية بكافة صنوفها البرية (المشاة، المدفعية، الدروع) والجوية، لكن شجاعة المنتفضين واصرار البيشمركة ووحدة الصف الكوردستاني، أسفرت بعد معارك طاحنة ومواجهات ضارية استمرت على مدى يومين كاملين لم يهدأ فيهما أزيز الرصاص ودوي الانفجارات ولو للحظة واحدة، الى تحرير كركوك، ايذانا بانتصار الانتفاضة حيث أوقدت نار نوروز في هذه المدينة ذات الرمزية الكوردستانية وعموم مدن وبلدات جنوبي كوردستان بكل حرية بعد سنين من المضايقات والملاحقات من قبل نظام البعث.

 

نتائج ايجابية

 

سلسلة ثورات وانتفاضات قام بها الكورد في مختلف مناطق واجزاء كوردستان الكبرى على مدى القرنين الماضيين، لم تحقق النتائج المرجوة منها، فرغم شجاعة وتضحيات الشعب الكوردي وتفانيه في القتال والدفاع عن حقوقه، الا ان اسبابا ذاتية موضوعية وخارجية مؤثرة أدت الى عدم تمخض نتائج منتظرة من هذه الثورات والانتفاضات. مع ان العديد من الانتفاضات الكوردية استطاعت تأسيس حكومات وسلطات وطنية (الامارات الكوردية الأخيرة، مملكة كردستان وعاصمتها السليمانية، جمهورية كووردستان الديمقراطية وعاصمتها مهاباد، سلطات ثورة ايلول)، الا انها تراجعت ولم تستطع ان تثمر عن نتائج ومنجزات كوردية (وطنية وقومية) طويلة الامد.

 

انتفاضة آذار/1991 تشكل منعطفا كوردستانيا مهما، فقد تمخضت عنها نتائج ايجابية كبيرة، وحققت منذ البداية انتصارات عسكرية باهرة وخلال مدة زمنية قياسية، اسقطت خلالها فيلقين من قوات صدام وسيطر المنتفضون على عدد من المطارات العسكرية وتم تحرير مراكز محافظات كوردستان الاربعة آنذاك، ومن ثم اسفرت عن تشكيل حكومة اقليم (جنوبي) كوردستان منذ ربع قرن. وهي ذات المسيرة التي بدأت بالانتفاضة وتواصلت حتى الانتصار على تنظيم داعش الارهابي، واخيرا فان نتائجها الآن تطرق ابواب اعلان دولة (جنوبي) كوردستان.

 

قد يعجبك ايضا