حين صار الحزن انا

 

نعمة المهدي

الحياةُ بعدكِ يا حبيبتي لم تعُد حياة، بل صارت صحراءً شاسعة لا ظلّ فيها ولا ماء. كنتِ الهواء الذي أتنفّسُه، والنبض الذي يوقظني من غفلةٍ إلى غفلة، والآن أعيش كأنني بلا رئتين، بلا قلب، بلا معنى. كم كنتِ قريبةً يا فقيدتي، أقرب من النبض إلى وريدي، أقرب من الضوء إلى عيني. واليوم… أنتِ بعيدةٌ كالمستحيل، بعيدةٌ كسماءٍ انطفأت نجومها فجأةً وابتلعتني عتمتها. غرفتي ضاقت بي. كل جدارٍ يصرخ باسمكِ. سريري يحكي غيابكِ أكثر مما يحكي نومي. الوسادة ما زالت تحمل آثار دموعي، كأنها تحفظ وصيّةً لا يقرؤها أحد سواي. الليل طويل، يتدلّى فوقي كجنازةٍ لا تنتهي. والنهار أثقل من أن يُحتمَل، يجرّني إلى الطرقات حيث الوجوه تتحرّك ولا ترى، تبتسم ولا تُبصر ما ينهار في داخلي. صلاتي صارت بكاءً، وسجودي صار انهيارًا. كل آيةٍ أقرأها تُعيدني إليكِ، كل دعاءٍ أرفعه لا ينطق إلا باسمكِ. حتى أمام الله، أقف منكسرًا، لا أملك سوى أن أشكو بكِ، وكأن روحكِ تسبقني إليه شاهدةً على ضعفي، شاهدةً على أن قلبي لم يعد لي وحدي، بل صار أسير غيابكِ. أشتاقكِ يا حبيبتي حتى الجنون. أشتاق حديثكِ البسيط الذي كان يملأ الليل بالسكينة. أشتاق ضحكتكِ التي كانت تطرد شياطين الحزن. أشتاق حتى غضبكِ الصغير الذي كنتِ تُخفيه بابتسامةٍ سريعة. أشتاق رائحة يدكِ حين تلمس وجهي، كأنّكِ كنتِ تمسحين عني العالم بأكمله. الناس من حولي يظنّون أني حيّ. لكنّي ميت منذ لحظة رحيلكِ. أعيش بينهم بجسدٍ ثقيل، أمشي، أتكلّم، أتنفّس، لكن داخلي قبرٌ واسع. آه… كم هو مرير أن يسكنكِ الموت وأنتَ ما زلتَ على قيد الحياة. هل تعلمين يا راحلتي؟ أحيانًا أشعر أني أسمعكِ تنادينني في الليل. أقوم أبحث عنكِ في العتمة، أمدّ يدي فلا أجد غير الهواء البارد. فأعود لأبكي… أبكي حتى ينهكني البكاء، فأغفو دقائق معدودة، ثم يوقظني الوجع من جديد. يا الله… إن كان الفقد امتحانًا، فأنا عبدك العاجز الذي لم يعد يحتمل. إن كان الفقد دواءً، فأنا المريض الذي لم يشفَ. وإن كان الفقد عقابًا، فأنا مذنب لم يعرف عن ذنبه سوى أنّه أحبّ بصدقٍ امرأةً واحدة، وأخلص لها، ثم خسرها. رحلتِ… لكنكِ لم ترحلي من قلبي. لم يخلُ منكِ نهاري ولا ليلي. أنتِ في كل حرفٍ أنطقه، في كل صمتٍ أعيشه، في كل تنهيدةٍ تُثقل صدري. آه يا فقيدتي… ليتكِ تأتينني في المنام، ليتني أراكِ لحظة، أسمع صوتكِ لحظة، ألمس يدكِ لحظة… ثم أموت بعدها مطمئنًا. فيا رب، إن لم تكتب لي لقاءها في الدنيا، فاكتب لي أن أراها عندك، في جنّةٍ لا موت فيها ولا فراق. فقد أرهقني الانتظار، وأرهقني الصبر، وأرهقني الحزن… حتى صار الحزن هو أنا، وأنا هو الحزن.

قد يعجبك ايضا