عطا شميراني
ليست السياسة في جوهرها معركةً دائمة بين الخصوم، كما يحاول البعض تصويرها، وليست سباقاً مفتوحاً نحو السلطة بأي ثمن. فالفلسفة السياسية منذ أقدم العصور نظرت إلى السياسة باعتبارها فناً لإدارة المصالح المتعارضة، ووسيلةً لتنظيم الحياة المشتركة بين الناس، لا أداةً لإشعال الصراعات بينهم. ولهذا السبب ظل التاريخ يحتفي برجال الدولة الذين نجحوا في بناء التوازنات أكثر مما احتفى بأولئك الذين أتقنوا صناعة الأزمات.
وفي التجربة الكردستانية المعاصرة، يبرز اسم فاضل ميراني بوصفه واحداً من السياسيين الذين ارتبط حضورهم بفكرة العقلانية السياسية أكثر من ارتباطه بالشعارات والانفعالات. فهو ينتمي إلى جيلٍ أدرك مبكراً أن السياسة ليست مجرد مواقف آنية، بل مسؤولية تاريخية تتطلب قراءةً هادئة للواقع، وفهماً عميقاً لتعقيداته، وقدرةً على التمييز بين ما هو ممكن وما هو مرغوب.
لقد اعتادت المجتمعات، خصوصاً في أوقات الأزمات، أن تنجذب إلى الخطابات الحادة والأصوات المرتفعة. فالصخب يمنح شعوراً سريعاً بالقوة، والانفعال يخلق وهماً مؤقتاً بالحسم. لكن التجارب أثبتت أن الأوطان لا تُدار بالعواطف وحدها، وأن القرارات الكبرى تحتاج إلى قدرٍ من الحكمة يفوق الحاجة إلى الحماس.
ومن هنا يمكن فهم خصوصية التجربة السياسية لفاضل ميراني. فقد اختار منذ سنوات طويلة أن يكون قريباً من منطق الدولة أكثر من منطق السجال، وأن يضع الحوار في مركز العمل السياسي، حتى في اللحظات التي كان فيها التصعيد أكثر شعبية وربحاً على المستوى الإعلامي.
إن إحدى المعضلات الكبرى التي تواجه السياسة في عصرنا هي هيمنة منطق الاستقطاب. فالعالم اليوم يعيش حالة انقسام متزايدة، وأصبح من السهل تصنيف الناس إلى معسكرات متقابلة، بحيث يُنظر إلى كل اختلاف بوصفه عداءً، وإلى كل نقد باعتباره تهديداً. وفي مثل هذه الأجواء تتراجع مساحة العقل لصالح الانفعال، وتضيق مساحة الحوار لصالح الاتهامات المتبادلة.
لكن السياسي الحقيقي لا يُقاس بقدرته على كسب المعارك الكلامية، بل بقدرته على حماية المجتمع من نتائج تلك المعارك. وهنا تتجلى قيمة الشخصيات التي تدرك أن الحفاظ على النسيج الوطني أهم من تسجيل الانتصارات اللحظية، وأن بناء الجسور أكثر فائدة من بناء المتاريس.
لقد شهد العراق وكوردستان خلال العقود الماضية تحولات عميقة وأحداثاً مصيرية، وكانت الساحة السياسية مليئة بالتجاذبات والخلافات. ومع ذلك بقيت هناك أصوات تدعو إلى التفاهم والتوازن وعدم الانجرار وراء ردود الفعل المتسرعة. ويرى كثيرون أن فاضل ميراني كان من بين هذه الأصوات التي حاولت باستمرار إبقاء باب الحوار مفتوحاً مهما بلغت حدة الخلافات.
فالسياسة ليست علماً للانتصار على الآخرين بقدر ما هي فن للتعايش معهم. والدولة الناجحة ليست تلك التي تُقصي المختلفين، بل تلك التي تجد صيغةً تسمح للجميع بالمشاركة في صناعة المستقبل. ولهذا فإن قيمة الحوار لا تكمن فقط في قدرته على حل الأزمات، بل في كونه يخلق ثقافةً سياسية تحترم التنوع وتؤمن بإمكانية التفاهم.
ولعل المشكلة الكبرى في عالم اليوم أن الكثيرين يتحدثون عن الديمقراطية، لكنهم لا يتحملون نتائجها الحقيقية. فالديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع، بل هي أيضاً قبول بالتعددية، واحترام للرأي الآخر، وإيمان بأن الحقيقة السياسية ليست حكراً على أحد. وهذه المبادئ لا يمكن أن تستقر في مجتمع ما لم تجد من يدافع عنها في الممارسة اليومية قبل الخطابات النظرية.
ومن هذا المنطلق اكتسبت الشخصيات الهادئة أهمية خاصة في الحياة العامة. فحين ترتفع الأصوات، تصبح الحكمة أكثر قيمة. وحين يندفع الجميع نحو المواجهة، يصبح التوازن فضيلة نادرة. والتاريخ السياسي للشعوب مليء بأمثلة تؤكد أن الدول لا تنهار بسبب وجود الخلافات، بل بسبب غياب القدرة على إدارتها.
إن الفلسفة السياسية تعلمنا أن الدولة ليست مجرد مؤسسات وقوانين، بل هي أيضاً ثقافة وسلوك وأخلاق عامة. والسياسي الناجح هو الذي يفكر في استقرار المجتمع بعد انتهاء الخلاف، لا في كيفية استثمار الخلاف لتحقيق مكاسب مؤقتة. ولذلك فإن رجال الدولة الحقيقيين غالباً ما يُعرفون بقدرتهم على النظر إلى ما وراء اللحظة الراهنة، وإدراكهم أن المستقبل أهم من الضجيج الآني.
قد يختلف الناس في تقييم السياسيين، وقد تتباين المواقف تجاه التجارب والشخصيات العامة، وهذا أمر طبيعي وصحي. لكن ما يبقى ثابتاً هو حاجة المجتمعات إلى العقلاء في أوقات الاضطراب، وإلى أصحاب الخبرة عندما تتعقد المشاهد وتتشابك المصالح.
واليوم، في عالمٍ تزداد فيه الانقسامات وتتسارع فيه الأحداث، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى إلى استعادة المعنى الحقيقي للسياسة؛ السياسة بوصفها وسيلةً لبناء التوافق لا لإدامة الصراع، وجسراً للتفاهم لا ساحةً للخصومة الدائمة.
ولهذا يرى كثيرون في فاضل ميراني نموذجاً للسياسي الذي اختار أن ينحاز إلى الحكمة حين كان الانفعال أكثر رواجاً، وأن يتمسك بالحوار حين كان الصدام أسهل وأسرع. فالقوة الحقيقية ليست في ارتفاع الصوت، بل في القدرة على الحفاظ على التوازن وسط العواصف.
وعندما يهدأ صخب السياسة، وتسقط الأقنعة التي تصنعها اللحظة، لا يبقى في ذاكرة الشعوب سوى الذين امتلكوا شجاعة العقل في زمن الانفعال، وحكمة التوازن في زمن الانقسام. فالمناصب تزول، والسلطات تتبدل، أما الأثر الذي يتركه الإنسان في الوعي العام فيبقى شاهداً عليه لأجيال.
لقد علّمتنا تجارب الأمم أن السياسة ليست امتحاناً للقوة فقط، بل امتحاناً للحكمة أيضاً. وأن رجل الدولة الحقيقي ليس من يربح كل معركة، بل من يحافظ على وطنه من خسارة نفسه وسط المعارك. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة فاضل ميراني أقرب إلى سيرة عقلٍ اختار أن يمشي وسط العواصف دون أن يفقد اتزانه، وأن ينحاز إلى الحوار حين كان الصدام أكثر إغراءً، وإلى التفاهم حين كان الانقسام أكثر رواجاً.
وهكذا، فإن الحديث عن فاضل ميراني ليس حديثاً عن رجلٍ في السياسة فحسب، بل عن فكرةٍ أعمق؛ فكرة أن العقل ما زال قادرا