الاستاذ المساعد الدكتور
فكري عزيز السورجي
تعد المفاوضات في عقود التجارة الدولية مرحلة هامة في إبرام معظم العقود التجارية الدولية , نظراً لما تتسم به الأخيرة من تعقيد ، فالأصل وفقاً لمبدأ سلطان الإرادة وحرية التعاقد هو حرية التفاوض ، فلا إلزام بالبدء في التفاوض لإبرام عقد ما ,كما ويجوز العدول عن المفاوضات أو قطعها في إي وقت ولو في مرحلة متقدمة منها ,كلما اتضح أن الشروط المطروحة للتعاقد ليست مناسبة ، ولذا فإن أطراف العقد التجاري الدولي في مواجهة اعتبارات متناقضة في مرحلة التفاوض فقد يرغب أحد أطراف العقد التجاري الدولي بأن تبقى إرادته حرة بشأن مسألة متابعة التفاوض من عدمه في حين يرغب الطرف الآخر في الحصول على ضمانات كافية قبل الدخول في المفاوضات لإمكانية الاستمرار فيها بهدف إبرام العقد المقترح ، فضلاً عن أن ضمان حماية أحد الأطراف لا تقتصر على المعلومات التجارية المتبادلة بخصوص العقد المزمع إبرامه ، وهي مسألة تنطوي على درجة من الخطورة ، وإنما يمتد ليشمل مسائل أخرى متعلقة بالجوانب المادية والعملية ، إي كيفية حماية الأطراف المتفاوضة من مخاطر ضياع النفقات التي يتكبدها الأطراف نظير انتقال الوفود للتفاوض وإقامتهم ،ودراسة الجدوى الاقتصادية بالأضافة إلى مخاطر تفويت فرصة التعاقد مع الغير وإضاعتها عليهم وخاصة أنه في بعض الأحيان قد يكون الطرف المتفاوض سيئ النية لا يقصد إبرام العقد التجاري الدولي ، بل يهدف إلى غرض أخر كالإطلاع على الإسرار المهنية والفنية أو تفويت فرصة التعاقد لهذا الطرف،وفي المقابل نجد إن اعتبارات العدالة ومقتضيات المنطق تستدعي وضع ضمانات للطرف الآخر الذي يرغب بالتعاقد معه ، تتمثل هذه الضمانات بمجموعة من الألتزامات السابقة على التعاقد التجاري الدولي ، منها الالتزام بالتفاوض بحسن النية في التفاوض ، الالتزام بالإعلام ، والالتزام بالسرية .
يلعب العقد في القانون الداخلي دوراً اساسياً في تبادل وتداول الثروات، ويتعاظم هذا الدور في العقود الدولية التي تعد أداة لتسيير التجارة الدولية، ووسيلة للمبادلات الاقتصادية عبر الحدود، حيث تؤثر تلك العقود من الناحية الاقتصادية على ميزان المدفوعات والميزان التجاري للدول باعتبار أنها تستدعي انتقالاً للقيم والثروات والخدمات عبر الحدود.
وقد أخذ الازدياد في التبادل التجاري ينمو خاصة بعد توقيع اتفاقية الجات وإنشاء منظمة التجارة العالمية ، فإذا كان العقد فيما مضى يتم إبرامه بطريقة بسيطة وسريعة ، حيث يقوم أحد الطرفين بتوجيه إيجاب بسيط إلى الطرف الآخر ثم ما يلبث هذا الأخير أن يقبل ذلك الإيجاب فينعقد العقد وينتهي الأمر ، إلا أن العقد التجاري الدولي يختلف في مراحل تكوينه عن العقد التجاري الداخلي البسيط ، كون أغلب العقود التجارية الدولية عقود معقدة فنياً وتقنياً وتحتاج إلى تفاوض حتى الوصول إلى القبول النهائي وتوقيع العقد من قبل أطرافه ، فالواقع أثبت أن تلك الطريقة البسيطة في التعاقد كانت تتناسب مع طبيعة المعاملات آنذاك حيث كانت الزراعة تشكل النشاط الرئيسي للمجتمع، ومن ثم كانت العقود قليلة للغاية وتتسم بالبساطة المتناهية، إلا أن ذلك لم يعد يتناسب مع العقود المركبة التي أسفرت عنها الأساليب الحديثة في التعامل، فالعقد باعتباره وليد البيئة الاقتصادية والاجتماعية التي ينشأ فيها، فإنه يتأثر دائماً بالتطورات التي تحدث في محيطه، ومن ثم كان من الطبيعي أن يتأثر العقد في بنيانه بالتطورات التي طرأت على المجتمع في العصر الحديث الذي شهد العديد من التطورات الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة، والتي أثرت بشكل كبير على بنيان العقد، فقد أصبحت أعداد كبيرة من العقود تتسم بالتركيب والتعقيد، وذلك لكونها ترد على مشروعات عملاقة وتنصب على عمليات مركبة ومليئة بالتعقيدات الفنية والقانونية، وتقدر قيمتها بأموال طائلة وتنطوي من ثم على مخاطر كبيرة بالنسبة لأطرافها، ولهذا أصبح من غير الممكن إبرام مثل هذه العقود بسرعة وبطريقة بسيطة، وإنما بات من الضروري أن يسبق إبرامها مرحلة من المفاوضات الشاقة، والتي تستغرق في كثير من الأحيان وقتاً طويلاً قد يمتد لسنوات عديدة، وتتطلب لإجرائها نفقات باهظة وذلك لمناقشة وتحديد شروط العقد، وغالباً ما يقوم بهذه المهمة فريق يضم أعضاء من مختلف التخصصات المتصلة بالجوانب الفنية والمالية والقانونية للعقد،لذا تعد مرحلة المفاوضات من اهم مراحل العقد على الإطلاق ، حيث تحدد فيها الملامح العامة لنطاق حقوق والتزامات الأطراف المتعاقد، إذ يدخل هؤلاء في مناقشات مكثفة حول الثمن ومواعيد التوريد وكيفية التنفيذ ووقته ومكانه وضماناته ، وجزاء الإخلال بالالتزامات التي ستنشأ عنه، فضلاً عن مناقشة الأعمال التحضيرية السابقة على التوقيع على العقد النهائي، مثل الفحوص الفنية ودراسات الجدوى الاقتصادية وهو ما يقتضي التقاء الأطراف وتبادل الأفكار والمقترحات ومناقشتها حتى ينعقد العقد محل المفاوضة.
لذا فإن هناك ثمة التزامات تترتب على إعمال المفاوضات في هذه العقود، ويتوزع عبء هذه الالتزامات، في الواقع، على عاتق الأطراف المفاوضة ، ومنها الالتزام بالتفاوض بحسن النية الذي يفرض على المفاوض التزاماً ايجابياً بالصدق والأمانة تجاه المفاوض الآخر الذي يرغب بالتعاقد معه ، ويثير هذا الالتزام، في الواقع، تساؤلات، منها ما هو مفهوم الالتزام بالتفاوض بحسن النية في مفاوضات عقود التجارة الدولية ، وما هي الطبيعة القانونية لهذا الالتزام؟ وما هو نطاقه في مفاوضات هذه العقود ؟
ومن جانب أخر يلتزم الأطراف المتفاوضة بالإعلام والمحافظة على السرية خلال المفاوضات في هذه العقود ، إذ نجد أن المفاوض يلتزم بإخطار المفاوض الأخر بكافة المعلومات والبيانات التي يعرفها والتي تتعلق بموضوع التعاقد بحيث يكون لها تأثير على قراره بالنسبة لمبدأ التعاقد وشروطه ، إلا ان هناك العديد من التسأولات تتعلق بكيفية حماية المفاوض الذي يقدم معلومات فنية لها طابع سري اعتماداً على النية الجدية للطرف الآخر في إبرام العقد ولاسيما في حالة قيام متلقي المعلومة باستخدامها أو إفشائها للغير والبحث عن هذه الحماية ،ومنها ما هو مفهوم الالتزام بالأعلام في مفاوضات عقود التجارة الدولية.