بقلم: علي ملا
لم يعد الشرق الأوسط ذلك الفضاء الجغرافي المحكوم بالجمود التقليدي للصراعات، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى مركز متحرك للتغيرات الإقليمية والدولية، حيث تتقاطع مصالح القوى العظمى مع طموحات القوى المحلية، وتتشابك ملفات الطاقة والأمن مع قضايا الهجرة والإرهاب.
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وتوسع رقعة الصراع في غزة، مروراً بأزمات البحر الأحمر ومضيق هرمز، وصولاً إلى التوترات في العراق وسوريا ولبنان، نجد أن المنطقة تعيش تحت ضغط هائل من التحولات المتسارعة. هذه التحولات لا تعكس فقط صراعاً على النفوذ، بل تعكس أيضاً محاولة لإعادة تشكيل النظام الدولي على حساب استقرار منطقتنا.
لقد بات واضحاً أن الشرق الأوسط لن يستعيد توازنه ما لم تتغير قواعد اللعبة. فالمعادلات القديمة التي قامت على الاستقطاب والإقصاء لم تعد قادرة على إنتاج حلول، بل أفرزت نزاعات أعمق وأزمات أكثر تعقيداً. وهنا يبرز دور الفاعلين المحليين، وفي مقدمتهم الشعب الكوردي، الذي أثبت عبر تاريخه أن الاستقرار لا يُبنى إلا بالاعتراف بالحقوق العادلة وبناء الشراكات المتوازنة.
إن مسؤولية المرحلة المقبلة تفرض على جميع القوى في المنطقة اعتماد لغة الحوار بدلاً من التهديد، والعمل على صياغة معادلات قائمة على المصالح المشتركة، وليس على حساب شعوبها. فالممرات المائية، وثروات الطاقة، وموقع الشرق الأوسط الجغرافي، كلها عوامل تجعل منه قلباً نابضاً للعالم، لكنه قلب بحاجة إلى شرايين سلام حقيقية.
الشرق الأوسط الجديد لن يكون ثمرة صفقات عابرة أو تحالفات مؤقتة، بل سيكون نتاج إرادة سياسية رشيدة، توازن بين الأمن والتنمية، وتعطي للشعوب حقوقها كي تنعم بالاستقرار. إن مستقبل منطقتنا رهن بقدرتنا جميعاً على استثمار التحولات لصالح بناء سلام دائم، لا أن نُترك أسرى لصراعات الآخرين