مهند الصالح
تتوافد آلاف العائلات العراقية كل عام إلى مدينة الأعظمية في بغداد لإحياء ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، في تقليد ديني واجتماعي عريق يجمع بين الروحانية والاحتفال الشعبي. ويعد العراقيون من أوائل الشعوب الإسلامية التي احتفلت بهذه المناسبة منذ قرون.
كان الملك المظفر الدين كوكبري، حاكم أربيل وصهر صلاح الدين الأيوبي، هو أول من نظم احتفالات المولد النبوي في الدولة الأيوبية، حيث كان يقيم احتفالات كبيرة سنوياً تستضيف الفقهاء والوعاظ والشعراء، تتضمن ذبح الأضاحي وإقامة الولائم وتقديم الهدايا في الفترة من 8 إلى 12 ربيع الأول. وقد كان المظفر الدين كوكبري من أعظم الملوك الذين اهتموا بتنظيم هذا الاحتفال وبذل فيه الأموال الكثيرة، حتى أصبح تقليداً مهماً في الدولة الأيوبية، حيث أنفق مبالغ طائلة في سبيل إحيائه.
ولا تزال الأعظمية تمثل إحدى أبرز المدن التي تحيي هذه الذكرى بكل ما تحمله من معان دينية وتاريخية.
وتشهد مدينة الأعظمية أجواء احتفالية مميزة تستمر عادة ليومين، حيث تنظم مواكب وتضاء الشوارع والمباني بالأنوار الزاهية، فيما تتعالى الأناشيد الدينية وتوزع الحلويات وتقَام موائد الطعام في أجواء من الفرح والتآخي. وعلى الصعيد الرسمي، يقيم ديوان الوقف السني احتفالاً مركزياً في جامع الإمام الأعظم، غالباً ما يحضره رئيس الجمهورية أو من يمثله، إلى جانب رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب وكوكبة من المسؤولين والنواب.
وفي أجواء روحانية وتقاليد راسخة في المساء، تتحول الأعظمية إلى لوحة ضوئية ساحرة، حيث تكتسي المباني والشوارع بأبهى حلل الزينة، وتقام حلقات الذكر والخطب الدينية التي تستعرض سيرة النبي الكريم، وتؤكد على قيم الرحمة والعدل والتسامح التي جاء بها.
وتعكس هذه الاحتفالات ارتباط العراقيين العميق بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، حيث تعتبر ذكرى مولده مناسبة دينية عظيمة تثير في النفوس مشاعر الحب والولاء، وتعد محطة لتجديد العهد مع تعاليمه وسنته.
إن مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل هو حدث غير مجرى التاريخ، وأضاء طريق الإنسانية برسالة السماء. فهو نبي جمع صفات العظمة كلها، وكان قدوة في الخلق والقيادة والرحمة. وما زال قرابة مليار ونصف مسلم حول العالم يحيون ذكرى ولادته، ويستلهمون من سيرته الدروس والعبر.
ومن صور الاحتفال بالمولد النبوي، إحياء سنن النبي عليه الصلاة والسلام، والإكثار من الصلاة عليه، لما في ذلك من فضل عظيم وشفاعة يوم القيامة. كما يقوم كثير من المسلمين بتقديم الطعام للفقراء والمحتاجين، وتوزيع الصدقات، وإقامة حلقات الذكر والدعاء في المساجد.
سيبقى يوم المولد النبوي الشريف شاهداً على أعظم ذكرى في تاريخ الأمة الإسلامية، يوم يعيد إلى الأذهان سيرة خير البشر، ويوقظ في القلوب محبة النبي، ويشعل جذوة الإيمان في النفوس، دافعاً المسلمين إلى المزيد من العبادة، والتزام السنة، والتقرب إلى الله بالعمل الصالح