صبحي مندلاوي
حين شبّه عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكوردستاني، القضية الكوردية في تركيا بمرض “الغرغرينا” الذي لا علاج له سوى التدخل الجراحي، فقد أراد توصيف مرحلة حرجة من أزمة ممتدة لعقود.
الغرغرينا، كما هو معروف طبيًا، تعني موت الأنسجة نتيجة انقطاع الدم أو العدوى، وهي حالة تتطلب قرارًا جريئًا وسريعًا للحفاظ على الجسد. وبهذا المعنى أراد أوجلان أن يقول: إن المشكلة الكوردية في تركيا لم تعد قابلة للترقيع أو الإصلاحات السطحية. فالسياسات الأمنية والوعود المؤقتة والموائد المستديرة التي لا تنتهي، كلها باتت عاجزة أمام حجم الأزمة المتجذرة في التاريخ والسياسة والاجتماع.
التدخل الجراحي هنا ليس بالمعنى العسكري الذي تعتمده الدولة التركية منذ عقود، بل بالمعنى السياسي الديمقراطي؛ أي إصلاح دستوري شامل يعترف بالهوية الكوردية، ويضمن التعليم باللغة الأم، ويفتح المجال أمام المشاركة السياسية الحقيقية، ويعيد الثقة المفقودة بين الكورد والدولة. دون هذه العملية الجراحية ستواصل الغرغرينا انتشارها، مهددة استقرار تركيا كله، لا سيما وأن التجربة أثبتت أن أي حل أمني يولّد دورة جديدة من الصراع والعنف.
تجربة إقليم كوردستان بقيادتها البارزانية الحكيمة والتي خاضت معارك طويلة من أجل الحقوق القومية الكوردية في العراق تدرك أن العنف المسلح لا يجلب حلولًا دائمة، بل يعمّق الجراح ويجعل الغرغرينا أكثر استفحالًا. بعد عام 1991 وما تلاه من اعتراف دستوري بالفيدرالية، أثبتت الأحداث أن الحلول السياسية والدبلوماسية هي السبيل الوحيد لإحياء “الجسد الوطني” ومنع تحلله. ولهذا فإن صوت أربيل يذهب دومًا باتجاه الحوار مع أنقرة، وإقناعها بأن الاعتراف بالحقوق الكوردية ليس تهديدًا لوحدة الدولة بل ضمانة لاستقرارها.
إن التشبيه بالغرغرينا يعكس خطورة المرحلة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الحل هو “العملية الجراحية المؤلمة”، بل المطلوب عملية سياسية حكيمة شبيهة بما جرى في كوردستان العراق: إصلاح دستوري، شراكة سياسية، واحترام للهوية القومية.
معالجة القضية الكوردية في تركيا عبر السلاح والاقتتال أثبتت فشلها على مدى أربعة عقود، بينما أثبتت التجربة في إقليم كوردستان أن القيادة الرصينة قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، إذا ما تمسكت بالحوار والتوازنات الإقليمية والدولية.
وبحكم موقعه وتجربته يدرك الإقليم أن استمرار النزيف في تركيا لن يضر بالكورد وحدهم، بل سيهدد الاستقرار الإقليمي بأكمله، من حدود إيران حتى شرق المتوسط. لهذا فإن الرسالة لأنقرة واضحة: الوقت ينفد، والغرغرينا لا تعالج بالمسكنات ولا بالرصاص، بل بحوار جاد يضع أساسًا لحياة مشتركة ديمقراطية.
وبينما يحذر أوجلان من الموت البطيء للجسد التركي، تدعو أربيل إلى إنقاذه بعملية سياسية واقعية. ويبقى السؤال: هل تصغي أنقرة إلى صوت الحكمة القادم من كوردستان، أم تواصل سياسة الإنكار حتى تصل لحظة يكون فيها البتر قد فات أوانه؟