خوشناف سليمان
ليست القضية الكردية قضية ثانوية يمكن الالتفاف عليها ببعض الشعارات المطاطية. بل هي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية. ويطالب بحقه الطبيعي في تقرير مصيره مثل سائر شعوب الأرض. من هنا فإن أي محاولة للتلاعب بالمصطلحات أو تجميل التنازلات لن تغيّر من جوهر الحقيقة.
خرج السيد صالح مسلم. عضوا الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي. بتصريح يقول فيه.. إننا لا نريد الفيدرالية. بل نطلب اللامركزية الديمقراطية للأمة الديمقراطية. أما فيدرالية جنوب كردستان فهي كلاسيكية وقومية. ونحن لا نريدها.
هذا الموقف. وإن بدا للوهلة الأولى تنظيرًا سياسيًا. إلا أنه عمليًا يشكّل تنكّرًا للحق القومي الكردي. ويعكس خضوعًا لضغوط إقليمية ودولية.
وهنا لا بد من التوضيح..
▪︎ الأمة الديمقراطية تعني أسلوبًا في ممارسة الحرية والتعايش المشترك أي فلسفة مجتمعية تنظم حياة الناس بعيدًا عن منطق الدولة القومية. إنها ممارسة. وليست بديلاً عن الحقوق السياسية.
▪︎ أما الفيدرالية فهي صيغة دستورية – قانونية. تعني الاعتراف بحق الشعوب في إدارة شؤونها وصيانة هويتها القومية ضمن دولة اتحادية.
الخلط بين المفهومين. كما فعل السيد مسلم، ليس مجرد سوء فهم، بل هو تحويل لمطلب قومي واضح (الفيدرالية كحق) إلى شعار فضفاض (الأمة الديمقراطية كممارسة). والنتيجة: استبدال الحق الملموس بممارسة شكلية لا ضمان لها إن لم تُحمَ بدستور وقوانين.
إن رفض الفيدرالية يعني ببساطة القبول بالتبعية الدائمة للمركز. و حرمان الكرد من صيغة حكم ديمقراطي تحفظ و جودهم وحقوقهم. فالفيدرالية ليست بدعة كلاسيكية. بل صيغة معاصرة أثبتت نجاحها في استقرار دول عديدة. و هي الضمانة الحقيقية لبقاء الشعوب على أرضها. أما الأمة الديمقراطية. مع أهميتها الفكرية. فلا تكفي وحدها إن لم تُترجم إلى حقوق معترف بها.
أما السيد الشيخ آلي. سكرتير العام لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا. فقد اختار أسلوب الاستهزاء بالفكر القومي الكردي حين قال.. يقولون كردستان.. كردستان. وينسون أنهم سوريون ويحملون الجواز السوري.
هذا الكلام ليس مجرد انحراف لفظي. بل هو محاولة لطمس هوية شعب والتقليل من شرعية نضاله. فالكرد لم ينكروا يومًا انتماءهم إلى سوريا والمنطقة. لكنهم في الوقت نفسه لم يقبلوا أن يكون الانتماء السوري بديلاً عن حقيقتهم القومية الكردية. الهوية الوطنية الجامعة لا يمكن أن تُبنى على إنكار الهويات الأصيلة. و إلا تحولت إلى قناع زائف يخفي الاستبداد.
هذه التصريحات. تساهم في إضعاف الموقف التفاوضي الكردي في لحظة تاريخية حرجة. حين يُقلَّل من شأن الفيدرالية أو يُسخر من اسم كردستان. يصبح الطرف الكردي نفسه شريكًا في مشروع إفراغ القضية من مضمونها.
والأنكى أن هذه المواقف تأتي بعد اتفاق كردي – كردي باركه الشعب وعدّه حدثًا تاريخيًا. ثم سرعان ما لحقه الغموض والتعتيم.
الكرد بحاجة إلى قيادة واضحة وصريحة. لا قيادات تتهرب من مسؤولياتها أو تستعير خطاب السلطة المركزية..
•الفيدرالية ليست مطلبًا مبالغًا فيه. بل هي الضمانة الحقيقية لبقاء الكرد على أرضهم.
•أي تنازل عن اسم كردستان أو عن الحقوق القومية هو تخلٍ عن جوهر القضية.
•على الشعب أن يقول كلمته جهارًا نهارًا.. لا مكان بيننا لكل حزب أو شخصية لا تؤمن بالحقوق القومية. أو تساوم عليها من أجل مصلحة حزبية أو شخصية.
لقد أثبت التاريخ أن الرمادية لا تنفع. وأن المراوغة لا تصنع حقوقًا. وحده الوضوح والشجاعة في الطرح هو الذي يحمي القضية الكردية من التذويب. فالتاريخ لا يرحم المساومين. بل يكرّم الذين دافعوا عن شعوبهم بصدق وجرأة.