د . صباح ايليا القس
لا ينعقد مجلس النديم الا بوجود الندماء ولا يجتمع الندماء الا وتكون بنت العنب حاضرة , فاذا اجتمعوا ودارت خمرة الندماء على الجالسين تشعب الحديث وطابت النفوس لا سيما اذا كانت هناك الجواري والغلمان فكانت ليالي السمر حيث الرقص والغناء ولا تنتهي مثل هذه الحفلات حتى الصباح .
هذه الاجواء هي ملعب ابي نواس اذ هو الاول في هذا الباب اذ لم يعرف العرب القدماء قصائد كاملة في الخمر حتى جاء ابو نواس فأوجدها وأبدع فيها لا بل هي الذي نال المقام الاول في الخمريات وانواعها والندماء والمجالس والفتيان والغلمان وكل ما تشتمل عليه هذه المجالس من فكاهة ومجون أحيانا .
كان هذا الشاعر الفاسق اكثر الناس نظما في عدد القصائد التي خصصها لهذا الباب وهو الاول في الابداع الشعري اذ لم يترك شاردة او واردة في هذا الجانب الا وكانت له حصة الاسد فيها كما يقال ..
عند استعراض التاريخ الشعري لا نقول انه لم يشتمل على الخمر لكن ذكرها كان قليلا واكثره على سبيل التقليد الا شاعرنا النواسي فقد اشارت الى ابداعه وتفوقه كتب التراث الادبية .
اذا نعرف ان اغلب الناس كانوا يتعاطون الخمر مساءً او في الليالي الحمراء عند اصحاب الرايات الحمر فإن ابا نواس جعلها متاحة في اي وقت من النهار حيث يقول :
بادر الكأس نهارا واشرب الراح العقارا
واسقنيها مثل مــا تشربها كيلا عيــــارا
فهو هنا يبادر كأسه نهارا كانما هي شغله الشاغل وليس له من عمل او وظيفة سوى معاقرة الخمر مع اصحابه الذين يشاركونه التسكع والعبث .
ابو نواس شاعر عاشق الخمر قولا وفعلا فهو اذ يصفها لا يقول وصفا لها من دون ان يكون تعامل معها ظاهريا بل لا يقول فيها ما قال الا اذا استطعمها وذاقها فهي راسخة في عقله وروحه واندفاعه اليها كاندفاع العاشق نحو معشوقته فهو غارق في هذا الجانب حتى اذنيه كما يقال ..
الذي يتبع سيرة ابي نواس الخمرية يجد فيما يقول افكارًا وصياغات لم يعهدها الشعر القديم ولذلك سجلت له كما براءات الاختراع في ايامنا هذه كأنما هي روح تبادله المشاعر يقول :
ما زلت استل روح الدنِّ في لطُـــفٍ واستقي دمه في جوف مجروحِ
حتى انثنيت ولي روحان في جسدي والدنُّ منطرحٌ جسمًا بلا روح
ألدن = وعاء ضخم من الفخار وغيره يخصص لحفظ الخمر .
الاجمل في كل ما سبق ان الشاعر ابا نواس اخترع لنا الفن القصصي الخمري .. والقصص الخمرية ليست كما نعرف عن قصص يومنا الحاضر بل هي حكايات وصفية عن مجالس اللهو والمجون بحضور الاصحاب والندماء والغلمان والجواري والعازفين والراقصات ولا ينسى وصف الخمر وتأثيرها على الشاربين وهو منهم اذ انها مجالس التسكع والعبث الذي كان يعيشه الشاعر قبل التزهد ..
يقول :
يارُبَّ مجلس فتيان سموتُ لـه والليلُ محتبسٌ في ثوب ظلمـــــــاء
أُنبئتُ ان ابا جدّي تخيَّرهـــــا من ذخْر آدم او من ذخر حــــــواء
إني لأشرب من عينيه صافية صرفا وأشرب أُخرى من ندامائي
ابو نواس حالة استثنائية في الشعر العربي ولا يمكن الاحاطة بما تركه لنا من أشعار وافكار حتى لو كتبنا عشرات الدراسات وقد كتب عنه الكثير وما يزال يحتمل الدرس الجديد .