د . صباح ايليا القس
لا بدّ ان نعترف ان العصر العباسي كان عصر الثقافة بامتياز على تعدد مراحله . اذ يعد ابو نواس شاعر شعراء عصره بعد بشار بن برد على ما جاء به من فنون شعرية قدحت بها موهبته لا سيما الخمريات والمجون ولاحقا الزهديات .. اذ ترافق عنده الخيال الطامح فضلا عن الرصانة اللغوية والابداع البلاغي وسهولة الطبع مع دقة المعنى وسبك المبنى .. وهو بذلك صنيع وحده في الغزل الغلماني لا يجاريه في ذلك سوى استاذه والبة بن الحباب والاعمى بشار بن برد اما اللاحقون فجميعهم عيال عليه منه يستمدون وعلى نهجه يسيرون .
يقول الجاحظ في ترافق ابي نواس وبشار وتوجهاتهما المشتركة ( بشار وابو نواس معناهما واحد والعدة اثنان ) ما يعني توافقهما في المعاني والاغراض والابتذال وابتعادهما في الجسد .
ابو نؤاس شاعر لا يتكلف في الالفاظ والمعاني بل تأتيه منسابة من دون تعب وارهاق بحيث يصل شعره من القلب الى القلب ومن اجل هذا قال الأمدي نقلا عن المبرد ( ما تعاطى الشعر أحد من المتحدثين أحذق من ابي نواس ) .
وتذكر كتب التراث ومن تابعهم من مؤرخي الادب حتى يومنا هذا فضل ابي نواس حتى قال العتابي ( والله لو ادرك هذا الخبيث الجاهلية لما فضّلتُ عليه احدا ) لا أخفي على القارئ العزيز اعجابي بوصف ابي نؤاس( بالخبيث ) وهذا بحسب لغة البلاغيين ذمٌّ يراد به مدح نظرا للمكانة الشعرية التي جلس عليها ابي نواس بلا منازع .
ديوان ابي نواس يشتمل على الطيب والفاسد فالطيب فيما جاء به من شعر الزهد والوصف والمدح اما الفاسد فما أبدع فيه وهو المجون والغلمان والخمريات تلك الاغراض التي لا يمكن ان يجاريه فيها شاعر على مدى التاريخ فهو شاعر الخمريات بلا منازع وكل الذي قيل في هذا الباب قد سبقه الى ذلك ابي نواس بشكل من الاشكال فهو في هذا الجانب نسيج وحده .
ابو نواس شاعر مجدد بل ثائر على الاساليب الشعرية المعروفة سابقا لا سيما الوقوف على الاطلال وبكاء الديار ووصف الناقة حتى انه هجا الذين يقفون على الاطلال وبكاء الديار بقوله :
قُلْ لمنْ يبكي على رسْمٍ دَرَسْ ما ضرَّ لو كان جَلَسْ
في الشطر الاول يشير الى الذين يقفون على الاطلال ( رسم درس ) والاطلال هي ما يتركه الراحلون من آثار تدل عليهم اذ هناك ربما كانت الحبيبة والشطر الثاني هو الاوجع والاقسى اذ أنه يهين القائل في كلمة ( جلسْ ) التي تعني القعود لاخلاج الفضلات .
وفي مكان اخر يشير الى الحرية في أن يختار الشاعر ما يريد قوله من دون خوف او تقليد اعمى فقال :
عاج الشقي على رسم يسائله ورحت اسأل عن خمارة البلدِ
ففي الشطر الاول يترك للشاعر ما يريد اذا كان يبحث عن الرسوم ( الاطلال ) فليقف هناك كما يشاء اما هو اي ابو نواس فهذا لايهمه ولا يسعى اليه لانه يسعى بكل كيانه ورغبته للبحث عن ( خمارة البلد ) حيث الماجنين امثاله وحيث الخمر واللهو والليالي حتى الصباح ..
اما شعره في الغلمان فكثير ايضا ولعله لشذوذه أصدق في الغلمانيات منه في الغزل النسائي يقول :
صُليتُ من حبها نارين واحدة بين الضلوع واخرى بين احشائي
وقال في الغلام :
أرى لك وجها فتّتَ القلبَ حسنُه به ينجلي أو قد به ينجلي الغشا