ب هيام حاجي – باحثة سياسية في شؤون العراق وكوردستان
نحن على أعتاب انتخابات البرلمان العراقي، وهي محطة سياسية مفصلية في تاريخ إقليم كوردستان، لا تقل خطورة عن أي تهديد أمني أو اقتصادي. وكما هو الحال في كل سباق انتخابي، يشتد التنافس بين المرشحين، وتتصاعد الحملات والخطابات، حتى تكاد تتحول إلى معارك مفتوحة، سواء بين الأحزاب أو حتى بين أعضاء الحزب الواحد. وغالبًا ما نشهد تحالفات آنية قائمة على المصالح الضيقة، تجمع أطرافًا متناقضة في العقيدة أو الفكر، لمجرد تحقيق مكاسب انتخابية، بعيدًا عن المبادئ التي تأسس عليها العمل الحزبي والسياسي.
لكن جوهر العملية الديمقراطية، كما تؤكد التجارب السياسية المستقرة، لا يُقاس بنتائج الصندوق فقط، بل بوجود اتفاق وطني مسبق على الثوابت ووحدة الصف قبل التنافس. ففي النظم الديمقراطية الراسخة، تُدار التعددية السياسية ضمن إطار يحمي كيان الدولة أو الإقليم، مهما كانت حدة الحملات الانتخابية.
في كتابها خيارات صعبة، قدمت هيلاري كلينتون مثالًا بليغًا على المعنى الحقيقي للمنافسة الديمقراطية، إذ قالت: “كنت أنا وباراك أوباما منافسين شرسين داخل الحزب الديمقراطي، نسعى كلٌّ منا للفوز بترشيح الحزب. لكن حين انتهت المعركة التمهيدية، أدركنا أن استمرار الانقسام سيضعفنا جميعًا أمام خصمنا الجمهوري. لذلك وقفنا معًا في مدينة Unity (الوحدة)، التي حمل اسمها ومعناها رسالة واضحة: ما كان تنافسًا بالأمس، أصبح اليوم وحدة صف من أجل هدف أكبر”.
هذا المثال الأمريكي يثبت أن وحدة الصف لا تُؤجل لما بعد الانتخابات، بل يجب أن تبدأ قبلها، من خلال اتفاق الجميع على الخطوط الحمراء التي لا تُمس، والالتزام بمصلحة الكيان قبل أي مكسب حزبي أو شخصي.
وهنا يكمن الفارق بين الدول المتقدمة والدول المتأخرة. ففي الأولى، يبقى الهدف الأسمى هو حماية الدولة ومصالحها العليا، مهما كانت حدة التنافس. أما في الثانية، فإن المنافسة كثيرًا ما تتحول إلى صراع مدمر، تُستخدم فيه أساليب محرمة وأحيانًا غير أخلاقية: تشويه السمعة، تلفيق الأكاذيب، كشف المستور، تزوير الملفات، وكسر المنافس بأي ثمن، حتى لو كان الثمن هو إضعاف الكيان نفسه.
وللأسف، فإن إقليم كوردستان ليس بمنأى عن هذه الظاهرة. فكثيرًا ما تتحول الانتخابات إلى حرب استنزاف داخلية، والأخطر أن هذه الانقسامات لا تتوقف مع إعلان النتائج، بل تمتد إلى برلمان كوردستان، وأحيانًا تُنقل الخلافات إلى بغداد، فتتحول المواجهة من الدفاع المشترك عن حقوق الإقليم أمام الحكومة الفدرالية، إلى صراع كوردي – كوردي، ما يضعف موقفنا التفاوضي ويشتت مطالبنا، خاصة في الملفات المصيرية مثل المناطق المتنازع عليها، حصة الإقليم من الموازنة، والموارد الطبيعية.
اليوم، يمر الإقليم بمرحلة سياسية واقتصادية دقيقة، تحت ضغط متزايد من الحكومة الفدرالية، التي لا تتردد في استغلال أي انقسام داخلي أو ضعف تفاوضي. ويزيد من خطورة الموقف ضعف بعض ممثلينا في بغداد، سواء بسبب نقص الخبرة أو ضعف الإلمام بالقوانين واللغة، ما يمنح خصومنا فرصة أكبر لفرض أجنداتهم على حساب حقوق الإقليم.
إن التجربة الأمريكية التي جمعت بين أوباما وكلينتون بعد تنافس شرس، يجب أن تكون درسًا لنا جميعًا: التنافس حق مشروع، لكن الوحدة قبل التنافس واجب وطني لا يقبل المساومة. فإما أن ندخل المنافسة ونحن موحدون على حماية الإقليم، أو ندخل التاريخ كمن تنافسوا على الكرسي بينما سقط الوطن من تحت أقدامهم.