احمد زبير باني
لم يكن الشعب الكوردي، عبر محطات تاريخه المديدة، يتخيّل أن يأتي يومٌ تمسك فيه سلطة بغداد بزمام الحكم، لا لتفتح أبوابها، بل لتسدّها في وجوه الأبرياء، ولا لتجمع الصفوف، بل لتوجّه سهام العقاب إلى أمةٍ لم ترتكب جرمًا ولم تقترف ذنبًا، سوى أنها تمسكت بهويتها وكرامتها وحقها في أن تعيش حرة.
لقد ظل الكورد – رغم ما ذاقوه من حملات القمع والإقصاء – يحملون في قلوبهم أملًا بأن بغداد، عاصمة الحضارة، قد تتسع لتحتضن أبناءها جميعًا على قدم المساواة، عربيًا كان أو كورديًا أو أي مكوّن آخر. كانوا يثقون أن السلطة إذا جاءت من رحم الدستور والقانون، فستكون حامية للعدالة، لا أداة للانتقام.
لكن عجلة التاريخ كثيرًا ما تفاجئ أصحاب النوايا الطيبة. والمشهد المؤلم تكرر؛ إذ أفرزت السياسة سلطةً ترفع شعارات الوطن والمواطنة، بينما تمارس في الخفاء سياسة العقاب الجماعي، محاولةً كسر إرادة الكورد وإسكات صوتهم. ليس لأنهم أساؤوا، بل لأنهم أرادوا أن يعيشوا بكرامة، وألا يساوموا على حقوقهم المشروعة.
واليوم، يتجسد هذا العقاب في أقسى صوره، حين تحوّل بغداد لقمة العيش إلى ورقة ضغط، وتحاصر أرزاق موظفي كوردستان، فتحجب رواتبهم وتماطل في صرف استحقاقاتهم التي نصّ عليها القانون والدستور. آلاف العائلات تُترك تحت رحمة الأزمات الاقتصادية، في وقت يُفترض أن الدولة هي الكافل والحامي، لا الخصم والمعاقب.
إن مأساة الكورد مع السلطة المركزية في بغداد ليست قصة فصل واحد، بل فصول متعاقبة من الخيبة والخذلان. ومع ذلك، فإن ما يميز هذا الشعب هو أنه، رغم الجراح، ما زال يؤمن بأن فجر العدالة سيشرق، وأن بغداد يمكن أن تعود يومًا دارًا للجميع… لا سيفًا مسلطًا على رقابهم، ولا يدًا تخنق أرزاقهم.