معاهدة سيفر: حلم الكورد المجهض على مذبح المصالح الدولية

أ.د.خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

في العاشر من آب/أغسطس 1920، وُقّعت معاهدة سيفر بين الدولة العثمانية المنهارة والحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، واضعةً خطوطاً جديدة لخريطة الشرق الأوسط. كانت المعاهدة تتضمن، للمرة الأولى في التاريخ الحديث، نصوصاً تمنح الشعب الكوردي فرصة الحصول على دولة مستقلة أو على الأقل حكماً ذاتياً واسع النطاق. المادة 62 نصّت على حق الكورد في إقامة إدارة ذاتية في مناطقهم، فيما أتاح البند 64 إمكانية إعلان الاستقلال بعد استفتاء شعبي إذا رغب السكان بذلك.

غير أن هذا الحلم الذي راود الكورد قروناً لم يلبث أن تلاشى قبل أن يخطو أولى خطواته. فالدول الكبرى، التي رفعت شعارات تقرير المصير بعد الحرب، سرعان ما وضعت مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية فوق مبادئها المعلنة. بريطانيا، التي كانت تسيطر فعلياً على العراق، وجدت أن وجود كيان كوردي مستقل سيضعف قبضتها على المناطق الغنية بالنفط في كركوك والموصل. فرنسا، بدورها، كانت تركز على ترسيخ نفوذها في سوريا ولبنان ولم ترغب في الدخول في مواجهة مفتوحة مع تركيا الناشئة. أما الولايات المتحدة، التي كانت تروج لحق الشعوب في تقرير مصيرها، فقد فضّلت الابتعاد عن التورط المباشر في صراعات المنطقة.

الأهم أن صعود مصطفى كمال (أتاتورك) وحركته القومية العسكرية قلب موازين القوى. فبانتصاراته الميدانية، استطاع أن يفرض على الحلفاء مراجعة مواقفهم، مما أدى إلى استبدال معاهدة سيفر بمعاهدة لوزان عام 1923، والتي أسقطت أي إشارة لحق الكورد في الحكم الذاتي أو الاستقلال، وأعادت دمج مناطقهم ضمن الحدود التركية والعراقية والإيرانية والسورية.

كانت النتيجة أن الكورد وجدوا أنفسهم مقسمين بين أربع دول، محرومين من أي إطار سياسي موحّد. وبدلاً من أن يكونوا طرفاً فاعلاً في المعادلة الجديدة، أصبحوا ورقة تفاوض تستخدمها الدول الكبرى وفقاً لضروراتها الآنية. لقد أُهدر وعد سيفر تماماً، ودفن معه أحد أهم المشاريع التاريخية لتأسيس كيان كوردي.

إن معاهدة سيفر تظل مثالاً صارخاً على مفارقة السياسة الدولية: شعارات الحرية وتقرير المصير التي تُرفع في المؤتمرات لا تصمد أمام صفقات المصالح، وحين تتعارض المبادئ مع النفط والممرات الاستراتيجية والتحالفات العسكرية، فإن الكفة تميل دائماً إلى ما يضمن نفوذ القوى الكبرى. بالنسبة للكورد، لم تكن سيفر سوى نافذة أمل أغلقتها الحسابات الجيوسياسية قبل أن يدخل منها ضوء الفجر.

قد يعجبك ايضا