كوردستان المزوري
في الأيام الماضية، اهتزّت أربيل على وقع جريمة مروّعة في إحدى محطات تعبئة الوقود. والتي بدأت كمشادة كلامية حول دفع ثمن البنزين بين مجموعة شباب عرب وموظف المحطة، تحوّل فجأة إلى مأساة دامية هزّت الرأي العام.
الموظف، وفي لحظة طيش وجنون، ترك مكان عمله، عاد بسلاح ناري، وأطلق النار على ثلاثة أشخاص. اثنان منهم عرب وواحد كوردي، فسقطوا قتلى في الحال.
المشهد كان صادماً، والقصة مؤلمة، والنتيجة كارثة إنسانية بكل معنى الكلمة. لكن الأخطر من الجريمة نفسها هو ما تلاها. أصوات عنصرية تحاول أن تصنع من هذه الحادثة الفردية شرارة لحرب قومية بين العرب والكورد. هنا تكون الكارثة الحقيقية، لأن دماء الضحايا تحوّلت عند بعض ضعاف النفوس إلى وقود لمشاريعهم المسمومة.
القانون سيقول كلمته
الجاني اليوم خلف القضبان، ينتظر حكم القضاء في إقليم كوردستان. العدالة ستأخذ مجراها، والعقوبة ستكون بحجم الجريمة، بغضّ النظر عن هوية القاتل أو الضحايا. في الإقليم، أثبت القانون مراراً أنه لا يحاكم على أساس القومية أو الدين، بل على أساس الجريمة نفسها. دم العربي غالٍ، ودم الكوردي غالٍ، ودم أي إنسان في هذه الأرض مصان، ولا يحق لأحد أن يضع ميزاناً مزدوجاً لهذه الحقيقة.
من يحاول القفز فوق القانون وتحويل القضية إلى معركة قومية، إنما يعلن بوضوح أنه لا يريد العدالة، بل يريد الفوضى. فالقانون وحده هو من يحمي الجميع من منطق الانتقام الذي لا ينتهي، والذي يحرق الأخضر واليابس.
الجريمة لا قومية لها
حين يطلق شخص النار على إنسان أعزل، الرصاص لا يسأل عن الهوية أو اللغة. الجريمة فعل فردي، يتحمل مسؤوليته من ارتكبها، ولا يجوز تحميل شعب بأكمله وزر قاتل واحد.
لكن بعض الأصوات المسمومة تتجاهل هذه الحقيقة، وتعمل على صناعة صورة كاذبة وكأن الجريمة ليست فعل فرد، بل مؤامرة من قوم ضد قوم. هذا الخطاب ليس فقط كاذباً، بل خطير لأنه يزرع الشك والخوف بين الجيران وزملاء العمل وحتى أفراد العائلة الواحدة.
أربيل.. مدينة احتضنت الجميع
لأكثر من عشرين عاماً، كانت أربيل وعموم مدن إقليم كوردستان بيتاً آمناً لمئات الآلاف من العرب الذين قدموا من الموصل، والأنبار، وصلاح الدين، وبغداد، والبصرة، بحثاً عن الأمان أو العمل أو الاستقرار. هنا، تقاسم العرب والكورد الشوارع، الأسواق، الجامعات، والمناسبات. لم تكن هناك جدران بين الناس إلا في عقول من يريد الشر.
هذه الحقيقة يعرفها الجميع، حتى أولئك الذين يتشدقون اليوم بخطاب الكراهية. لكنهم يتجاهلونها عمداً لأن الفتنة بالنسبة لهم وسيلة للظهور الإعلامي أو للكسب السياسي.
التاريخ علّمنا
من يعرف تاريخ العراق يعلم أن الفتنة لا تأتي من فراغ. منذ عقود، كان هناك من يستغل أي حادثة فردية لزرع الانقسام بين مكونات المجتمع. مرة بين السنة والشيعة، وأخرى بين العرب والكورد، ومرات بين أبناء الطائفة الواحدة. النتيجة كانت دائماً واحدة: الدماء تسيل، والضحايا من جميع الأطراف، فيما المستفيد الحقيقي يجلس بعيداً يعد مكاسبه.
اليوم، من يريد تحويل جريمة محطة أربيل إلى أزمة قومية، إنما يكرر سيناريوهات قديمة يعرفها العراقيون جيداً، ويعرفون أن نهايتها خراب للجميع.
خطاب الفتنة.. الرصاصة الثانية
القاتل أطلق رصاصاته في لحظة غضب، لكن مُثير الفتنة يطلق رصاصاته في عقول الناس وقلوبهم كل يوم. القاتل سيواجه العدالة قريبًا، لكن مُروّج الفتنة يستمر في بث سمومه، يحوّل المأساة إلى منبر للكراهية، ويزرع الخوف في النفوس. هذه جريمة أخطر، لأنها لا تقتل ثلاثة أشخاص فقط، بل يمكن أن تقتل السلم الأهلي وتفتح أبواب الدم على مصراعيها.
مسؤولية الإعلام والمجتمع
الإعلام، ومواقع التواصل، والنشطاء، أمام امتحان حقيقي. إما أن يكونوا جدار صدّ ضد التحريض، أو أن يتحولوا إلى أدوات لنشر الكراهية. الكلمات سلاح، وأحيانًا أخطر من الرصاص، لأنها تعيد إنتاج الفتنة وتغذيها حتى تشتعل.
المسؤولية الأخلاقية تفرض على كل شخص أن يتحقق من المعلومة قبل نشرها، وأن يرفض المشاركة في خطاب تقسيمي، لأن الصمت في هذه اللحظة ليس حيادًا… الصمت قد يكون خيانة.
رسالة إلى من يتاجرون بالدماء
دماء الضحايا ليست لعبتكم السياسية. هذه الحادثة المأساوية لن تتحول إلى حرب بين العرب والكورد إلا إذا انجرّ الناس وراء خطابكم المسموم. القاتل سيُعاقب بالقانون، ولن يُحاكم شعب كامل على جريمة فرد واحد.
من يصرّ على تحويل الحادثة إلى صراع قومي هو خائن للضحايا، خائن للتعايش، وخائن لمستقبل هذه الأرض.
إقليم كوردستان لن يسمح بأن تتحول أرضه إلى ساحة لتصفية الحسابات العنصرية أو الطائفية. الواجب على الإعلاميين، النشطاء، والمجتمع المدني أن يغلقوا الأبواب في وجه الكراهية، وأن يحموا السلم الأهلي من الانهيار.
نعم، الحادثة مؤلمة، لكن مأساة أكبر أن نصمت على من يريدون جرّنا إلى الهاوية.
القانون فوق الجميع، الجريمة لا قومية لها، والفتنة إذا اشتعلت فلن تُبقي ولن تذر.