فريدة الحسني
في وقت تتسابق فيه الدول النامية لإغراء المستثمرين عبر الحوافز الضريبية والقوانين المرنة، نجح إقليم كردستان العراق في اعتماد مفتاح أبسط وأكثر جوهرية ” الأمان” وسط مشهد عراقي معقد تتداخل فيه السياسة بالأمن، وتتنازع فيه العوامل المحلية والدولية على رسم صورة المستقبل، استطاع الإقليم ترسيخ نفسه كوجهة استثمارية آمنة نسبيا. فبينما تعاني العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب من اضطرابات أمنية متقطعة وتحذيرات دولية من السفر، تبرز مدن أربيل والسليمانية ودهوك كمراكز جذب اقتصادي متصاعدة، تقدم للمستثمرين ما يبحثون عنه قبل الأرباح ” الاستقرار”
الأمان أولا… ثم الاقتصاد
لا يختلف اثنان على أن رأس المال جبان، لا يستقر في بيئة مضطربة ولا يغامر في سوق مهدد بالانفجار الأمني. هنا، يحسب لاقليم كردستان قدرته على فرض منظومة أمنية فعالة طوال السنوات الماضية، جعلت مدنه آمنة للسكان المحليين والوافدين على حد سواء الاقليم، الذي يتمتع بحكومة شبه مستقلة وإدارة أمنية خاصة به، نجح في تقليص معدلات الجريمة المنظمة والأنشطة المتطرفة إلى أدنى مستوياتها ما ساهم في خلق بيئة مطمئنة للمستثمرين الأجانب خصوصا القادمين من أوروبا وآسيا.
أرقام تعكس الثقة
وفقا لهيئة الاستثمار في إقليم كردستان، شهدت السنوات الخمس الماضية تسجيل أكثر من 250 مشروعا استثماريا جديدا في قطاعات متنوعة، أبرزها العقار، الصناعة، السياحة، والطاقة المتجددة. ومن اللافت أن عدد الشركات الأجنبية العاملة في الاقليم تضاعف، خاصة التركية والألمانية والإماراتية، بل وحتى شركات أميركية وأوروبية فضلت الاستثمار في كردستان رغم التحذيرات العامة من السفر إلى العراق هذا النجاح لم يأت من فراغ، بل كان نتيجة استراتيجية حكومية واضحة تراهن على أن “الأمان هو الطريق الأقصر إلى التنمية”.
مشاريع ناهضة وبنية تحتية جاذبة
على أرض الواقع، يلمس الزائر للإقليم تحولات ، واضحة مطارات دولية حديثة (أربيل والسليمانية)، مجمعات سكنية وتجارية على الطراز العالمي، مناطق صناعية مزودة بخدمات متكاملة، وفره في الكهرباء والمياه والخدمات البلدية، منظومة قوانين مشجعة للاستثمار، مع إجراءات ترخيص مبسطة، هذه العوامل مجتمعة جعلت من الإقليم نموذجا اقتصاديا داخل دولة ما زالت تعاني من آثار الحروب والانقسامات.
المستثمر يبحث عن الأمان قبل الأرباح…الأمن هو عملة الاستثمار الأولى
الشركات الاستثمارية لديها عملاء يدرسون العراق كوجهة استثمار، لكنهم دائما يوصون بالبدء من كردستان. هناك مطار، فنادق، قانون، شرطة… والأهم ، “لا تشعر بالقلق على موظفيك”
كردستان نقطة ارتكاز لمستقبل اقتصادي واعد
بينما يتخبط كثير من بلدان المنطقة في أزمات داخلية، يمضي إقليم كردستان بخطى ثابتة نحو تكريس موقعه كواحة استثمارية وسط صحراء مضطربة. نعم، لا يزال الإقليم يواجه تحديات اقتصادية وسياسية لكن رصيده الأكبر هو الأمن، وهذا ما لا تستطيع كثير من الدول شراؤه بالحوافز أو التشريعات. الاستثمار لا يحتاج فقط إلى قوانين، بل إلى طمأنينة. وكردستان اليوم تقول للمستثمرين: “نحن نمنحكم الإثنين”.
الأمان ليس ترفا… بل شرط للنهضة
في عالم يتغير بسرعة ويعتمد على حركة الأموال العابرة للحدود، لم يعد الأمان مجرد ميزة تنافسية، بل أصبح شرطا أساسيا لأي اقتصاد يحلم بالنهوض. وقد فهم إقليم كردستان هذه المعادلة باكرا، فاختار أن يزرع الاستقرار أولا ليحصد الثقة، وأن يؤسس لنهضة حقيقية تبدأ من الشعور بالأمان ولا تقتصر على الأرقام. نجاح كردستان في جذب المستثمرين ليس فقط دليلا على جودة بيئته الأمنية والادارية، بل أيضا رسالة واضحة إلى بقية مناطق العراق: أن التنمية لا تصنع بالشعارات، بل تبدأ من الأرض، من الشارع، من احترام القانون، ومن حماية المستثمر قبل الاستثمار.
إن تجربة كردستان يجب ألا تقرأ فقط من زاوية محلية، بل كأنموذج قابل للتكرار إذا توافرت الإرادة السياسية والإدارية. فالعراق بموارده الهائلة وتاريخه الحضاري العريق لا ينقصه المال ولا البشر، بل يحتاج إلى إرادة أمن واستقرار حقيقية تكون قاعدة يبنى عليها كل شيء.
في النهاية
لا تنجح الخطط ولا تجذب الأموال ولا تشيد المدن… ما لم يشعر المستثمر، قبل المواطن، أنه في وطن لا يهدد، ولا يبتز، ولا يختطف فيه النجاح كردستان قالت كلمتها بالفعل، وآن لبقية العراق أن يلحق بركب الأمل، لأن الاستثمار لا يذهب حيث الأرباح فقط… بل حيث الحياة ممكنة