أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة عام 1921، بُنيت قواعد الحكم على أساس الهيمنة القومية والمركزية الشديدة في السلطة، وتم استخدام العنف المنظم كوسيلة لتثبيت سلطة الدولة الوليدة. ولعلّ أبرز ملامح هذا النهج ظهرت مبكرًا في سلسلة من المجازر والانتهاكات، نخص منها بالذكر ما حدث في بارزان (1930) والسليمانية في “اليوم الأسود” 6 أيلول 1930، وصولاً إلى واحدة من أكثر الجرائم فظاعة وهي مجزرة سميل بحق الأشوريين عام 1933.
واجهت الحكومات العراقية المتعاقبة دعوات الكورد والقوميات الأخرى نحو المساواة والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية بالعنف لا بالحوار. ولم تُطرح الإصلاحات إلا بوصفها تنازلات قسرية أو تكتيكات مرحلية لامتصاص الغضب، دون أي رغبة حقيقية في بناء دولة تعاقدية تمثل جميع مكوناتها.
وقد مثّلت مجزرة سميل ذروة هذا العنف المنظم، حين استخدم الجيش العراقي القوة المفرطة في مواجهة فئة كانت تطالب بالحماية والاعتراف، لا الانفصال أو العداء للدولة.
جريمة سميل ليست فقط جريمة ضد الأشوريين، بل هي جريمة ضد مفهوم الدولة نفسه. إذ كيف يمكن لدولة حديثة، في عقدها الأول، أن تبدأ تاريخها بتصفية جماعية لمكون وطني؟
لقد قُتل الأبرياء، وهُدمت القرى، وعمّ الصمت الرسمي. لم يُحاسب أحد، بل تم تكريم القادة العسكريين الذين أشرفوا على المجزرة، مما رسّخ عقلية الإفلات من العقاب، وأعطى إشارة واضحة أن السلاح يمكن أن يحسم الخلافات السياسية في العراق.
لقد أصبح “الجيش” أداة لحسم الملفات الوطنية، والقومية، والدينية، وهو ما تكرر لاحقًا في أحداث كركوك، وقمع الثورات الكوردية، والحملات ضد الجنوب، ثم الأنفال، حتى الغزو الداخلي للمناطق المتنازع عليها بعد2003.
تُظهر مجزرة سميل أن مصير القوميات غير العربية في العراق كان واحدًا: الإقصاء، ثم التجريم، ثم الإبادة.
هذا الواقع دفع القيادات الكوردية، منذ أمد بعيد، إلى المطالبة المستمرة بدولة متعددة القوميات تُبنى على مبدأ المساواة، والتمثيل العادل، وحقوق المواطنة، وليس على التهميش والإذابة القسرية.
بعد انتفاضة 1991، وتشكيل حكومة إقليم كوردستان، تغيّر المشهد جذريًا. فقد أصبح الإقليم حاضنة لكل القوميات والطوائف، ومكانًا آمنًا للمهددين في العراق، خاصة بعد تفجّر الميليشيات الطائفية وانتشار الفوضى ما بعد 2005.
اليوم، تُمارس في كوردستان جميع القوميات و الطوائف حقوقهم الثقافية والدينية والسياسية. لديهم ممثلون في البرلمان، ويشاركون في القرارات السياسية، دون تمييز أو تهديد.
مجزرة سميل لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة مفصلية أسست لنمط قمعي في علاقة الدولة مع مكوناتها. وإذا كان الكورد والآشوريون وغيرهم قد واجهوا ذات المصير، فإنهم اليوم يشتركون في نضال مشترك نحو عراق جديد، تُصان فيه الحقوق وتُحترم فيه التعددية، ويُبنى على العدالة لا الإلغاء، وعلى التعايش لا الهيمنة.
ولعلّ أولى خطوات هذا الطريق تبدأ بالاعتراف التاريخي الكامل بهذه الجرائم، وفتح ملفات المساءلة، وبناء نظام سياسي واقتصادي لا مركزي يضمن العدالة لكل المكونات.