الحنين المقلوب والعقلية المنقسمة: لماذا لا يولد الكيان الكوردي؟

حسين موسى

القلب يحنّ إلى محبوبته…
إلا قلب الكوردي، فهو يحنّ حتى إلى من ظلمه، ويأنس أحيانًا لعدوه، أكثر مما يشتاق لأخيه الذي يشاركه الأرض واللغة والتاريخ والوجع.

هذه المعادلة الغريبة ليست مجرّد لحظة عاطفية عابرة، بل نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية ونفسية، رسّخت نوعًا من الاغتراب الذاتي داخل الكيان الكوردي.
منذ آلاف السنين، تتكرر في أرواحنا هذه الفيزيولوجيا المعكوسة: حيث يُجاهد الكوردي لأجل الغير، وينسى أحيانًا أن يجاهد لأجل ذاته.

لقد تحولت صفحاتنا، منابرنا، وإعلامنا، وحتى خيراتنا، إلى فضاءات مفتوحة لقضايا شعوب أخرى: من غزة إلى الساحل، ومن السويداء إلى كل نقطة اشتعل فيها الظلم.
نحن لا نتاجر بالمظلومية، بل نتعاطف بصدق، لأننا نعرف طعم الجرح، ونفهم جيدًا ماذا يعني أن تكون ضحية.

لكن، من بكى علينا؟
من صرخ للعالم يوم اجتاحت غازات صدام مدينة حلبجة؟
من فتح شاشاته عندما دُفنت قرانا في مقابر الأنفال الجماعية؟
من تضامن حين سقطت شنكال، وبيعت نساؤها في أسواق داعش؟
من تحدث عن عشرات المجازر في عفرين وسري كانيه؟
قلة فقط… ومع ذلك، نُهلهل لهم، ونرفعهم على منابرنا، فقط لأنهم نطقوا بالحقيقة.

وهنا لا تكمن المأساة الكبرى، بل في الداخل.

السؤال الأهم ليس فقط: لماذا لا يُنصفنا الآخر؟
بل: لماذا لا ننصف نحن أنفسنا؟

إن العقلية الكوردية، التي لم تتخلّص بعد من داء الانقسام والتنافر، ما تزال تعرقل – عن وعي أو لا وعي – أي مشروع حقيقي لبناء كيان كوردي مستقل.
في كل جزء من كوردستان، نشهد مشهداً مكرراً: تيارات متضادة، أحزاب متنازعة، أجندات متصادمة، ومشاريع تنهار قبيل اكتمالها.

وهنا تتكشف ازدواجية خطيرة في الذهنية الكوردية:
❖ عقلية وطنية منفتحة، مؤمنة بالوحدة، بالاستقلال، وبحق تقرير المصير، تسعى إلى تأسيس كيان كوردي جامع يتسع للجميع.
❖ تقابلها عقلية أخرى انتهازية، تتحالف مع العدو، وتُقدّم الولاء الحزبي على المصلحة القومية، وتُفشل في كل مرة فرصتنا التاريخية.

بين هاتين العقليتين يتأرجح مصيرنا.
الأولى تُزرع في التضحيات، والثانية تُحصد في الصفقات.

لقد أصبحنا نخسر أنفسنا، قبل أن نخسر معاركنا.
نُفرّط في أحلامنا، ونتعاطف مع العالم، في الوقت الذي لا يتعاطف فيه أحد معنا.

فأين نقف؟
ومتى نحسم أمرنا مع أنفسنا قبل أن نطالب العالم بالاعتراف بنا؟

لقد آن الأوان أن يُعاد توجيه الحنين.
الحنين الحقيقي ليس للعدو الذي لم ير فينا إلا خصمًا، بل للأخ الكوردي الذي يشبهنا في الهم والمصير.
ليس للمنابر التي تُغلق في وجهنا، بل لقضيتنا التي تحيا فينا.
ليس للتاريخ الذي يُكتب ضدنا، بل للمستقبل الذي علينا أن نكتبه بأيدينا.

قد يعجبك ايضا