نوري جاسم
انها حكاية وطن يُستنزف على مائدة الغرباء”
في بلادٍ حبَتها السماء بثروات لا تنضب، وأودعت في باطنها كنوزًا من النفط والغاز والمعادن، وباركت أرضها بسهول زراعية وأنهارٍ وأنواء، تجد المفارقة تُنصب كصنمٍ ثقيل في منتصف المشهد، ثروة طائلة لا تُقاس، وشعب مقهور لا يُنصف، موارد تُسال لعاب الشركات الكبرى عليها، وأبناء الأرض لا يجدون في وطنهم إلا الوعود المؤجلة والبؤس المتراكم، إن هذا التناقض لم يأتِ من فراغ، بل من منظومة حكمٍ اعتادت أن تنظر إلى الوطن خزينة وغنيمة، تُبرم العقود باسم التنمية، بينما تُفرغ الخزائن لصالح الغرباء، وتُمنح الامتيازات بلا شروط ولا كرامة، حتى باتت الجغرافيا سوقًا مفتوحًا، والسيادة مجرد لافتة باهتة على أوراق الاتفاقيات، وفي مثل هذه البلدان، تتحوّل الحكومات من ممثل شرعي للشعب إلى وسطاء بين ثروات الأرض وأسنان الشركات، تفتح لهم المناجم، وتؤمن لهم الحماية، وتغضّ الطرف عن شروط العمل المجحف، ولا تسأل عن نسبة الأرباح التي تعود إلى الداخل، أو تلك التي تُرحَّل سرًا إلى الخارج، ولعل الكارثة لا تكمن فقط في وجود الاستثمار الأجنبي، بل في غياب الرؤية الوطنية التي تصونه، وفي تراجع الإرادة السياسية عن فرض شروط عادلة تضمن ألا يكون هذا الاستثمار وسيلة لنهب البلاد باسم التنمية، فما معنى أن تُحرم أجيالٌ من فرص العمل، بينما تأتي العمالة من الخارج؟ وما معنى أن تُنهب البيئة، وتُلوّث المياه، وتُستنزف الأرض، ثم يُقال هذه هي كلفة التقدم؟ أيّ تقدمٍ هذا الذي يسير على جثث المزارعين، ويُقام فوق أنقاض القرى المنسية، ولا يعرف طريقه إلى المدارس والمستشفيات والبيوت الفقيرة؟ وما أشدّ خيبة الأوطان حين يُباع ترابها بأبخس الأثمان، ويُزفّ على موائد الكبار، بينما يتضور الصغار جوعًا تحت نوافذ القصور،
إن الشعوب لا تُقاس فقط بمساحة الأرض التي تسكنها، ولا بثقل النفط الذي تضخه، بل بما تمتلكه من كرامة وقدرة على حماية ثرواتها. وإن فقدان السيطرة على الموارد هو بداية فقدان السيطرة على المصير، وشرارة الانحدار نحو التبعية والذوبان في منظومات اقتصادية لا ترى في الإنسان سوى وسيلة، ولا في الدولة سوى مصدرًا آخر للربح. وليس أدلّ على ذلك من تلك الدول التي وقّعت عقودًا طويلة الأمد، جعلتها أسيرة شروط مجحفة، لا تستطيع الفكاك منها إلا بدفع التعويضات، أو القبول بالإذلال، ولا يتوقف الألم عند حدود الفقر فحسب، بل يمتد إلى عمق الشعور الوطني الذي يتشقق كل يوم حين يرى المواطن خيرات بلده تُهدر، بينما تُترك المستشفيات بلا دواء، والمدارس بلا مقاعد، والطرقات بلا إنارة، والبيوت بلا عمل ولا خبز. ذلك الإحساس القاتل بأنك غريب في وطنٍ غني، وأنك لا تملك من أرضك شيئًا سوى الحسرة. وفي ظل هذه التراجيديا الصامتة، يبقى السؤال الأعمق والأخطر: من يملك الثروة حقًا؟ هل هي الحكومة؟ أم الشركات؟ أم الشعب الذي دُفنت أحلامه في صمت المناجم؟ والجواب لا يحتاج إلى تنظير: الثروة ملك الشعب، أمانة في عنق كل مسؤول، وحق مكتسب لا يجوز التلاعب به. وحين لا يُستشار الشعب في مصير ثرواته، وحين تُدار الأمور بليلٍ من دون شفافية، فإن ما يحدث ليس تنمية، بل استعمار بأدوات حديثة، تُنفذ فيه الجريمة بالقلم لا بالبندقية، وتُمارس الهيمنة عبر الاقتصاد، غير أن الطريق لم يُغلق تمامًا، فهناك دوماً متّسعٌ للعودة، شرط أن تنهض الشعوب بوعيها، وأن تدرك أن صمتها هو ما يمنح الشرعية لهذا النزيف، وأن الكرامة الوطنية لا تُستعاد بالشعارات، بل بالمحاسبة، والرقابة، وفرض الحق في المعرفة، ورفض التفريط بثروات الأجداد. فالأرض التي أنجبت البترول لا تستحق أن تُباع كسلعة، والشعب الذي صبر على الفقر لا يجوز أن يُكافأ بالتهميش، والوطن الذي يئنّ تحت وطأة الشركات لا بد أن ينهض على أكتاف أبنائه لا على موائد الغرباء. إن الكرامة الاقتصادية هي بوابة السيادة الحقيقية، وإذا لم نستطع حماية ثرواتنا، فلن نستطيع أن نحمي خبزنا، ولا أطفالنا، ولا أحلامنا. فلتكن الثروة الوطنية خطًا أحمر، ولتكن العدالة الاقتصادية حجر الزاوية في أي مشروع وطني حقيقي. ذلك أن الوطن، كل الوطن، لا يُقاس بعدد حقول النفط، بل بعدد الأيادي التي تُمسك بزمام القرار، وعدد القلوب التي لا تقبل أن يتحول الحلم إلى صفقة.
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..