أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
لم يكن الكورد الفيليون غرباء عن بغداد يومًا ما، بل كانوا من أبنائها الأصليين، ومن بناة أسواقها، وساكني أحيائها، وروّاد تجارتها. لقد شكّلوا ركيزة اقتصادية واجتماعية وثقافية في العاصمة العراقية، منذ العهد العثماني وحتى أواخر القرن العشرين، قبل أن يُستهدفوا في واحدة من أشرس عمليات التطهير القومي والطائفي التي شهدها تاريخ العراق الحديث.
تشير الوثائق التاريخية إلى أن الكورد كانوا موجودين في بغداد منذ العهد العباسي، بل إن الخليفة المنصور عند تأسيسه المدينة سنة 762 م، استعان بعمّال ومعماريين كورد في بناء أسوارها. وفي القرن الحادي عشر، ظهر حيّ باسم “محلة الأكراد”، يمتد من باب الشيخ إلى شارع شيخ عمر. كما برزت أحياء أخرى مثل “عگد الأكراد”، و”تبة الأكراد”، و”الدسابيل”، والتي كانت مأهولة بعائلات كوردية، وبالأخص من الكورد الفيليين.
هذه المحلات كانت أمثلة حيّة للتنوع والتعايش الاجتماعي، حيث سكن الكورد الفيليون إلى جانب عرب ومكونات أخرى، في انسجام وتعاون اجتماعي مميز. وكانت الصدرية والدسابيل وشارع الفضل من المناطق التي شهدت تواجدًا مكثفًا للفيليين، سواء كسكان أو كتجار أو حرفيين.
ومع دخول البريطانيين بغداد سنة 1917، تنامى النشاط التجاري في العاصمة، وكان الكورد الفيليون في طليعة هذا الحراك الاقتصادي. امتلكوا محالًا وشركات تجارية تمتد من بغداد إلى البصرة، ومرورًا بخانقين والكوت، بل وصلوا إلى إيران والخليج وتركيا. وفي العهد الملكي، كانوا جزءًا من الطبقة التجارية العليا، يملكون محالًا كبرى في الشورجة، الكرادة، السنك، الباب الشرقي، والفضل. وتميزوا بالأمانة، والانضباط، وبنوا لأنفسهم سمعة تجارية محترمة على الصعيدين المحلي والدولي.
الكورد الفيليين لم يكونوا يومًا على هامش المجتمع البغدادي، بل كانوا جزءًا من هويته الاقتصادية، ومن النسيج الاجتماعي الذي أعطى لبغداد نبضها الحضري والتجاري.
رغم الجذور العميقة للكورد الفيليين في بغداد منذ العهد العثماني، ونشاطهم التجاري الملحوظ خلال الحقبة البريطانية والعهد الملكي، إلا أنهم لم يكونوا بمنأى عن المضايقات والتمييز. ففي العهد الملكي، بدأت السلطات تُشكك في جنسيتهم، وتفرض قيودًا إدارية على حركتهم وأعمالهم، ما خلق بيئة ضاغطة لهم رغم إسهاماتهم في الاقتصاد الوطني. ومع مجيء حزب البعث إلى السلطة عام 1968، بدأت مرحلة أكثر خطورة، حيث وُضِع الفيليون تحت المراقبة، وتعرضوا لحملات ممنهجة من التضييق السياسي والقومي. وبعد عام 1970، بدأت السلطة البعثية تُمهّد لسياسة الاجتثاث الديمغرافي، متذرعة بانتماءات قومية مزعومة.
وفي صباح 7 نيسان/أبريل 1980، دعت السلطات البعثية أكثر من 400تاجر من الكورد الفيليين من فئة”أ”لاجتماع رسمي في “غرفة تجارة بغداد”، بحضور طه ياسين رمضان (نائب رئيس الوزراء) ووزير التجارة حسن علي العامري. لكن الاجتماع كان فخًا، لا مناسبة اقتصادية.
فبمجرد انتهائه، جرى اعتقالهم جميعًا، ثم نُقلوا إلى مديرية الأمن، فخانقين، ثم طُردوا إلى إيران قسرًا، بعد أن سُحبت منهم الجنسية العراقية، وصودرت ممتلكاتهم وشركاتهم ومحالهم. بهذه الخطوة، ارتكب النظام البعثي جريمة مزدوجة: تطهير قومي ضد مكوّن أصيل، ونسف لركن أساسي من أركان الاقتصاد البغدادي.
لم يكتفِ النظام البعثي بتهجير الفيليين جسديًا، بل سعى لمحو ذاكرتهم من الخرائط، كما حدث مع محلة “الدسابيل” التي أزيلت من السجلات، ومسجدها الذي اختفى من التوثيق الرسمي. كما صُنّفوا كـ”تبعية إيرانية”، رغم أنهم عراقيون أبًا عن جد، يسكنون بغداد منذ قرون.
وكان النظام يرى في انتمائهم المزدوج – ككورد القومية وشيعة المذهب – تهديدًا لبنيته الشوفينية، فقام بتجريفهم من السوق والشارع معًا.
يُروج بعض السياسيين، بخفة وسذاجة، أن الكورد كانوا “حمالين” في بغداد. ورغم أن الحمالة مهنة شريفة ترتبط بالكد والعمل، فإن هذا التوصيف لا يعكس الواقع الحقيقي. فالكورد الفيليون لم يكونوا عمّالًا فقط، بل كانوا تجارًا مرموقين، أصحاب شركات ووكلاء لماركات عالمية، يتعاملون مع الأسواق الإقليمية والعالمية. إن اختزال وجودهم في صورة العامل البسيط ليس إلا محاولة لتقزيم تاريخهم وإنكار دورهم الوطني.
لم يكن الفيليون تجارًا فقط، بل شاركوا في الحركة الوطنية العراقية، وكان “عگد الأكراد” معقلًا للمقاومة ضد انقلاب 8 شباط 1963 الدموي. تصدوا للمؤامرة البعثية، وساندوا ثورة تموز، وشاركوا في تأسيس الحركات الوطنية. وقدّموا الشهداء، وتعرضوا للاعتقال والملاحقة، لكنهم لم يتخلّوا عن انتمائهم لبغداد.
إن ما جرى للكورد الفيليين ليس حادثة عابرة، بل جينوسايد مكتمل الأركان، استهدف الإنسان والهوية والذاكرة. واليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، لا يكفي الاعتذار الرمزي، بل يجب إعادة الاعتبار الفعلي لهم:
•بإعادة الجنسية العراقية لمن حُرم منها ظلمًا.
•بتوثيق أرشيفهم الاقتصادي والسياسي.
•بإدراج سرديتهم في المناهج الدراسية.
•بتكريم نضالهم في الفضاء العام.
•بالتعويض عن الخسائر المادية
إن الكورد الفيليين ليسوا صفحة من الماضي، بل حجر أساس في تاريخ بغداد وهويتها التجارية والاجتماعية. وغيابهم القسري هو فجوة ما زالت العاصمة تعاني منها. لا يمكن لبغداد أن تستعيد وهجها دون أن تعترف بماضيها الحقيقي، ولا يمكن لوطن أن يُبنى على النسيان.
الكوردالفيليون ليسوا دخلاء. إنهم من صُنّاع بغداد.