/1
غدير ربحي الزبون
“جذور الحنين” رواية تجمع بين الإنسانية والوطنية والوجدانية لمؤلفها محمد النبالي بصفحات تصل إلى (198 صفحة)، والصادرة عن دار العنقاء للنشر والتوزيع في عمان- الأردن بطبعتها الأولى.
هي ليست روايةً تُقرأ وتُطوى، بل تجربة تُخاض كأنها عبورٌ في الذات الفلسطينية، عبورٌ نحو الداخل المتصدّع، عبورٌ بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
إنّها لا تقتصر على عمل سردي فحسب، بل هي شيفرة وجدانية كُتبت بنَفَس منفيّ يتكئ على الأرض، ويتنفس من رئة الحنين.
محمد خالد النبالي في هذه الرواية لا يعيد رسم ملامح الوطن فحسب، بل يُرمّم خرائط الانتماء، ويستخرج من غبار الذاكرة صورًا لم تُمسّ، وأصواتًا لم تُكتم.
الكاتب في سطور: محمد خالد النبالي عين ثالثة ترى ما لا يُرى.
كاتب أردني ينحدر من جذور فلسطينية، تتشابك في نصوصه جذور الأرض مع أجنحة الحلم، ويخطّ بقلمه معارج الوجع الفلسطيني بلغةٍ تُشبه تراب البلاد وندى الفجر.
كاتب لا يكتب من الخارج، بل يكتب من اللُبّ، يسير من الحبر إلى الجذر ولا يستعير صوتًا، بل يخلق صوته.
هو شاعر خفي في ثوب روائي، يؤمن بأن الحكاية ليست نهاية، بل بداية لحياة جديدة. أعماله تشي بكاتبٍ يملك حسًّا عميقًا بالانتماء، وجرأة في صياغة الحنين كقيمة أدبية خلاقة.
وُلد في كنف أسرة فلسطينية عابقة بالتقاليد والوعي الوطني، فشبّ على الحكايات التي ترويها الجدات عن الأرض والشتات، وتفتّح وعيه في فضاءٍ محاصرٍ بالأمل والمقاومة. اختار الأدب وطنًا موازيًا، يواجه فيه نكبات الأمة بالكلمة، ويُرمّم به شروخ القلب، فكتب ليكون صوته امتدادًا لصوت مَنْ لا صوت لهم.
بدأت رحلته الأدبية باكرًا، وسرعان ما لفت الأنظار بأسلوبه المغاير الذي يجمع بين النثر الشعري والنَفَس السردي العميق، فبرز كأحد الأقلام الشابة التي تُراهن على الوعي لا على الضجيج.
في نصوصه، تُجاور الحياة الموت، والرماد الزهر، وتنهض الشخصيات من هشاشتها إلى أسطورتها الخاصة، كما يتميّز محمد خالد النبالي بقدرته على بناء عوالمه السردية على مهل، كمن يُعيد تركيب حلم مكسور، ويُعيد للغة كرامتها المفقودة. هو ابن الأرض، وكاتبها، وصوتها الذي لا ينكسر، حتى لو انكسر كل شيء.
يحمل قلمه رمزية عالية تنهل من التراث الكنعاني والوجداني، وتحاور الحاضر بروح الماضي، فيستخدم مفرداته كمن يستخدم بذور الزعتر قليلة، لكنّها تنبت كثيرًا، ففي كل جملة تجد فلسطين تُطلّ برمشها الحزين، وفي كل فصل تجد الذاكرة تمشي حافية على شوك الكتابة.
امتزجت في طفولته روافد الريف الأخّاذ بطقوسه، وبقايا التاريخ الذي يحمله الامتداد الفلسطيني.
من هنا انطلقت رحلته الأدبية، مستوحية من صهيل الأرض وهمس النخيل، وكأن الحكايات تهمس في أذنه منذ الصغر، لتمنحه شغفًا بالكلمة وصراعًا مع الحبر.
يؤمن أنّ الكتابة ليست ترفًا ولا هواية، بل نداء داخلي، ووسيلة للحفر في طبقات المعنى، وتثبيت ما يتداعى من ذاكرة شعبٍ يُحارب كي لا يُنسى.
في نصوصه يُحس بأن أرضه منبسطة بوجعٍ أخضر، وذاكرته تخنقها نيران الكلمة، فيولد هذا التناقض أجراسًا تنقر على أبواب القارئ.
هو شاعر ينثر الحنين على رأسيات الصفحات، وكاتب يُسجل الأثر في الدواخل، من المنافي المادية إلى الهجران الداخلي. قد يبدو مجنونًا في عيون البعض، لكنه في حقيقته مدافع عن جرح بلادٍ لا يلتئم، شاعر يؤمن أنّ الشعر والنثر والقصة مقابلاتٌ لداخلٍ يؤمهالهواء لينشق من تربة الحقيقة، ويمزج بين الألم الشخصي والجرح الجمعي، كما يتقن فن تحويل القصة الصغيرة إلى وثيقة تاريخية ووجدانية.
عرف النبالي بأسلوبه الإنساني العميق، ولغته المنحوتة بعناية، وقدرته على تفكيك الذاكرة الفلسطينية دون الوقوع في فخ الخطابة أو التوثيق المجرد.
روايته “جذور الحنين” تأتي امتدادًا لهذه الرؤية التي ترى الإنسان الفلسطيني ككائن رمزي/تاريخي يعيش في هشاشة دائمة لكنه لا يتوقف عن الحلم.
العنوان: “جذور الحنين” عتبة كثيفة تتجاوز البلاغة.
“جذور الحنين” ليست مجرد استعارة، بل بوصلة وجودية، فالجذور تحيل إلى الثبات، إلى التشرّشوالتجذّر العميق في الأرض، البيت، الشجرة، اللغة، الأم، والحبيبة.
أما الحنين فهو صوت المفقود، قوة النداء، وذاكرة المُبَعثر، وبين الثبات والاهتزاز تبنى الرواية. فـ”جذور الحنين” هي صرخة الفلسطيني في المنفى، وندبة الطين على جدار الخريطة.
“جذور الحنين” لمحمد خالد النبالي تحمل من عنوانها عُمقًا وجدانيًا وارتباطًا بأرض لا تفنى، وذاكرة لا تموت. وإذا كانت الرواية تتكون من خمسة فصول، فإنّ عناوينها وحدها تشكّل قصيدةً بحد ذاتها، ذات طابع رمزي، مليء بالدلالات النفسية والوجدانية والجغرافية.
الفصل الأول: “لا تأتي إلا مرة واحدة“.
عنوان يضرب في عمق الفقد، ويعكس وعياً وجوديًا، فهو حديث عن الفرصة، أو الحلم، أو الحب، أو حتى الوطن ذلك الشيء أو الشخص أو اللحظة التي لا تتكرر، ككوكبٍ عابرٍ في مدار الذاكرة، هي بداية الرواية، فبهذا الفصل تمهّد لقيمة كبرى فُقدت أو كادت ما يجعل القارئ يشعر بثقل الغياب من أول صفحة.
فالزمن لحظة فريدة تختزن معنى أبدي، والحنين لتلك “المرة الوحيدة” التي صنعت كلّ ما بعدها، أما الندم أو الحكمة فهو حضورٌ متأخر لمراجعة الذات بعد انقضاء تلك الفرصة.
الفصل الثاني: “مقهى الرملة“.
نقلة مكانية تعبق برائحة الذاكرة، فالمقهى هنا ليس مجرّد مكان، بل شاهدٌ على تفاصيل الناس، والانتظار، والأحاديث العابرة التي تتحوّل مع الزمن إلى جروح دافئة. وعن اسم الرملة فهي ليست فقط مدينة فلسطينية مسروقة، بل ذاكرة كاملة للّقاء والوداع.
فالمقهى رمز للجمود الظاهري والانفعال الباطني؛ محطة لقاء بين الذاكرة والواقع، الرملة استعارة عن المدن المغتصبة، والأمكنة التي تصرّ على الحياة في قلوبنا. فالعنوان “مقهى الرملة” هو حضور الوطن بوصفه مقهىً مؤقتًا نُجالس فيه الحنين.
الفصل الثالث: “زينب“.
انتقال إلى التجسيد، ف”زينب” تمثل الأنثى، الحب، الأرض، والأم، وقد تكون هي تلك “المرة الواحدة” التي لم تأتِ إلا مرة، فتخصيص فصل باسمها يعطيها بُعدًا أسطوريًا، كأنها مريم الحكاية أو عشتار الرواية، فزينب ليست فقط امرأة، بل شجرة نسب للحب، وعرق نابت في أرضٍ لا تُروى إلا بالدمع. هذا الاسم العربي الشعبي له امتداد تراثي وروحي، وهو مركز الدفء والخصب والولادة، وربما تكون زينب صورة للوطن المغتصب، أو للحب المنذور للغياب.
الفصل الرابع: “أيتها الحياة“.