أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر
ليست الجغرافيا وحدها من تصنع التاريخ، بل إن تفاعلات الفكر، والاقتصاد، والسياسة، والهوية، تضع اللبنات الفعلية لمشروع الدولة. وإذا كانت ألمانيا وإيطاليا قد نجحتا في تحقيق وحدتهما الوطنية بين عامي 1870-1871، فإن كوردستان –رغم وجود كل المقومات الثقافية والتاريخية– ما زالت ترزح تحت حالة التمزق الجيوسياسي. فما الذي جعل التوحيد ممكنًا في تلك الدولتين الأوروبية، ومستحيلًا –حتى الآن– في الحالة الكوردية؟
أولًا: الجغرافيا والسياسة بين الحتمية والإمكان
تقع كوردستان في قلب الشرق الأوسط، وتمتد جغرافيًا مع تركيا، إيران، العراق، وسوريا. هذه الجغرافيا الجبلية الوعرة، وإن منحت الكورد الحماية النسبية من الإبادة التامة، لكنها شكّلت في الوقت ذاته حاجزًا صعبًا أمام التواصل السلس بين المجتمعات الكوردية، وساهمت في تشظي الهوية السياسية وعدم تبلور مركز وحدوي.
في المقابل، كانت ألمانيا وإيطاليا عبارة عن كيانات متجاورة دون حواجز طبيعية قاسية، ما سمح بنشوء بنى اقتصادية ومؤسساتية وشبكات فكرية وفنية مهدت للمشروع القومي. لقد ساعد الموقع الأوروبي لكل من ألمانيا وإيطاليا في بروز طبقة بورجوازية قوية، ومثقفين قوميين، ونقابات، وصحف، وجامعات، ساهمت جميعها في رفع راية الوحدة.
ثانيًا: طبيعة الأنظمة المسيطرة
إن الدول الأربع التي تقاسمت كوردستان (العثمانية – الصفوية ثم الإيرانية – العراقية – السورية – التركية الكمالية لاحقًا) كانت جميعها دولًا مركزية شديدة الشك في أي نزعة قومية غير قومية الأغلبية الحاكمة. وبخلاف التجربة الألمانية التي دعمتها بروسيا، أو الإيطالية التي قادتها مملكة بيدمونت وسردينيا، لم تحظَ كوردستان بنواة دولة قائدة للمشروع الوحدوي.
بل على العكس، كانت محاولات الأمراء الكورد تقود في الغالب إلى صدامات داخلية وتنافسات على السلطة بين الإمارات الكوردية المتناحرة (مثل سوران، بابان، بهدينان، بوتان)، الأمر الذي قوّض أي مشروع للائتلاف السياسي أو الإداري.
ثالثًا: غياب البنى التحتية والمؤسساتية
لم تعرف كوردستان –حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر– جامعات قومية، أو معامل، أو مصانع، أو نقابات عمالية، أو صحافة منتظمة، أو أحزاب ذات برنامج قومي موحد. بعكس أوروبا التي شهدت ثورات صناعية، وولادة طبقات وسطى، ومراكز إنتاج ثقافي موحدة، بقي المجتمع الكوردي متأخرًا عن الحراك الصناعي، ومعتمدًا على الاقتصاد الريعي والرعوي والزراعي.
ساهم غياب هذه البنى في تأخير تبلور الفكر القومي، وفي ضعف الخطاب الوحدوي الذي كان يعتمد غالبًا على الشعر، أو الحماسة العشائرية، دون أن يكون مسنودًا ببرامج تعليمية واقتصادية ومؤسساتية.
رابعًا: غياب الدعم الخارجي وصراع المصالح الدولية
دعمت بروسيا توحيد ألمانيا لأسباب استراتيجية، ووقفت فرنسا وإنجلترا لاحقًا إلى جانب توحيد إيطاليا لموازنة النفوذ النمساوي. أما كوردستان، فلم تحظَ بأي دعم حقيقي من القوى الكبرى، بل على العكس، ساهمت اتفاقيات مثل سايكس–بيكو (1916)، ومعاهدة لوزان (1923)، في تقسيم كوردستان رسميًا وتثبيت تبعيتها للدول المجاورة.
بل إن القوى الكبرى –حتى يومنا هذا– تنظر إلى أي مشروع استقلالي كوردستاني كعامل “اضطراب إقليمي”، ما جعل المصالح الدولية والإقليمية في غير صالح التوحيد، بل أقرب إلى الحصار والتفتيت.
خامسًا: العوامل الذاتية – ضعف الفكر القومي وغياب القيادة الوحدوية
بينما قاد بسمارك مشروع التوحيد الألماني بكفاءة سياسية واقعية، وقاد غاريبالدي وكافور الوحدة الإيطالية بخطاب قومي تعبوي، لم تنجح الشخصيات الكوردية –رغم إخلاصها– في بلورة مشروع قومي موحدفي القرن التاسع عشر. بقيت القيادات الكوردية منشغلة بخصوصيات كل منطقة، أو بمقارعة الدولة المحتلة، دون التوجه نحو بناء إستراتيجية وحدوية شاملة،رغم محاولة امراء كورد في توحيد الصف الكوردي.
كما أن غياب المدارس القومية، وضعف الإنتاج الفكري باللغة الكوردية، وغياب النخب المثقفة العابرة للمناطق، كلها حالت دون بلورة وعي قومي وحدوي قادر على تجاوز التنافس العشائري والمذهبي الذي كان وما زال من أبرز العوائق.
سادسًا: الموانع البنيوية – من الجهل إلى الطبيعة الجغرافية
إن الجهل المنتشر، خصوصًا في المناطق الريفية والجبلية، وانعدام التعليم الممنهج، أدى إلى تقويض أي محاولة لحشد قاعدة شعبية داعمة لفكرة الوحدة. وقد ساهمت الطبيعة الجبلية لكوردستان –على مر العصور– في تعزيز الانعزال الجغرافي، وإبقاء المجتمع الكوردي في حالة دفاع ذاتي محدود دون توسع تنظيمي.
إن مقارنة الحالة الكوردية بتجربتي ألمانيا وإيطاليا، لا تهدف إلى التبسيط أو التبرير، بل إلى فهم العوامل المركبة التي منعت الوحدة الكوردية رغم أحقيتها التاريخية. إن مشروع توحيد كوردستان لا يفشل فقط بسبب الخارج، بل كذلك بسبب الداخل: غياب المؤسسات، تشرذم القيادة، وتغوّل المصلحة الضيقة على المصلحة القومية. ولهذا، فإن فهم التاريخ الكوردي، وتحليل الواقع الجيوسياسي، والاعتراف بالأخطاء الذاتية، تمثّل الخطوة الأولى نحو صياغة مستقبل وحدوي يتجاوز دروس الماضي.